النبأ · الآية 25

﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا

«إِلَّا»: استِثناءٌ يُشَدِّدُ ولا يُخَفِّف

كَلِمةٌ واحِدةٌ تَفتَحُ ثُغرةً في نَفيٍ عامّ. وقد كانَ النَّفيُ قَبلَها تامّاً: لا بَردٌ ولا شَراب، نَكِرَتانِ في سِياقِ نَفيٍ فتَعُمّان. فلا يَخرُجُ مِنهُما شَيءٌ إلّا بِأداة.

والعادةُ في الاستِثناءِ أن يُخَفِّفَ الحُكم. تَقولُ «ما جاءَ أحَدٌ إلّا فُلاناً» فتُثبِتُ لِلمُستَثنى ما نَفَيتَه عن غَيرِه. وهنا يَجري الاستِثناءُ في صورَتِه هذه، ثُمَّ يَنكَشِفُ المُستَثنى فإذا هو لا يُعطي ما مُنِعوه.

فالثُّغرةُ مَفتوحةٌ في اللَّفظِ ومَسدودةٌ في المَعنى. أُخرِجَ شَيءٌ من عُمومِ النَّفيِ فوَجَدناهُ لا يَنقُضُه.

«حَمِيمًا»: حَرٌّ بَلَغَ غايَتَه ولُصوقٌ لا يُفارِق

ح-م-م احتِواءٌ حارٌّ يَشتَدُّ حتّى يَبلُغَ غايَتَه. والمِيمُ مُضاعَفةٌ في آخِرِه، والتَّضعيفُ يَشُدُّ الضَّمَّ فلا يَنفَكّ. ومنه «الحَمّام» مَوضِعُ الماءِ الحارّ، و«الحَميم» الماءُ الذي انتَهى حَرُّه، و«حَميمُ الرَّجُل» قَريبُه المُلتَصِقُ بِه.

واجتِماعُ المَعنَيَينِ في جَذرٍ واحِدٍ لَيسَ صُدفةً في اللِّسان: ما بَلَغَ الحَرَّ يَلتَصِقُ، وما التَصَقَ لا يُفارَق. فالكَلِمةُ تَحمِلُ الوَصفَينِ مَعاً في مَوضِعِها هذا: حَرٌّ لا يَزيدُ عليه حَرّ، وقُربٌ لا يُتَخَلَّصُ مِنه.

وقد نُفِيَ قَبلَ سَطرٍ «بَرداً»، والبَردُ سُكونُ ما يَضطَرِب. فجاءَ المُستَثنى الأوَّلُ على مُقابَلَتِه بِالحَرفِ: مَكانَ السُّكونِ حَرارةٌ بَلَغَت مُنتَهاها.

«وَغَسَّاقًا»: سائِلٌ يُغَطّي ولا يُروي

غ-س-ق تَغطيةٌ سائِلةٌ تُقطَعُ عِندَ حَدِّها فتَستَقِرّ. ومنه «غَسَقَ اللَّيلُ» سالَ ظَلامُه ثُمَّ ثَبَت، و«غَسَقَتِ العَينُ» سالَ دَمعُها الثَّقيل. فالجَذرُ يَجمَعُ سَيَلاناً وسَتراً مَعاً: ما يَجري فيُغَطّي ما جَرى عليه.

و«غَسّاق» على وَزنِ فَعّال، وهو بِناءُ المُبالَغة: يَجعَلُ السَّيَلانَ الكَثيفَ وَصفاً لازِماً لا حادِثةً تَقَع. فلَيسَ سَيلاً يَمُرُّ ثُمَّ يَنقَطِع، بل صِفةٌ قائِمةٌ في المَوصوف.

وقد نُفِيَ قَبلَ سَطرٍ «شَراباً»، والشَّرابُ ما يَجري فيَنتَشِرُ في الباطِنِ فيَصيرُ مِنه. فجاءَ المُستَثنى الثاني على مُقابَلَتِه: جارٍ أيضاً، لكنَّه يُغَطّي ولا يَسري رَيّاً. المُقابَلةُ في الآيَتَينِ مُرَتَّبةٌ حَرفاً بِحَرف: بَردٌ يُقابِلُه حَميم، وشَرابٌ يُقابِلُه غَسّاق.


حَصيلة

أداةُ استِثناءٍ تَفتَحُ ثُغرةً في نَفيٍ كانَ عامّاً بِنَكِرَتَيه. والعادةُ أن يُخَفِّفَ الاستِثناءُ، فلَمّا انكَشَفَ المُستَثنى لم يَنقُضْ ما نُفي. «حَميماً» من ح-م-م: احتِواءٌ حارٌّ يَشتَدُّ حتّى يَبلُغَ غايَتَه، والتَّضعيفُ يَشُدُّ الضَّمَّ فلا يَنفَكّ، ومنه الماءُ الذي انتَهى حَرُّه والقَريبُ المُلتَصِق: حَرٌّ بالِغٌ وقُربٌ لا يُفارَق. و«غَسّاقاً» من غ-س-ق: تَغطيةٌ سائِلةٌ تُقطَعُ عِندَ حَدِّها فتَستَقِرّ، وعلى وَزنِ فَعّالٍ فالسَّيَلانُ الكَثيفُ وَصفٌ لازِمٌ لا حادِثة. والمُقابَلةُ مَعَ الآيةِ قَبلَها مُرَتَّبة: مَكانَ البَردِ الذي هو سُكونُ ما يَضطَرِبُ حَرارةٌ بَلَغَت مُنتَهاها، ومَكانَ الشَّرابِ الذي يَسري رَيّاً جارٍ يُغَطّي ولا يُروي. الثُّغرةُ مَفتوحةٌ في اللَّفظِ ومَسدودةٌ في المَعنى.