النبأ · الآية 23

﴿لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا

«لَّابِثِينَ»: لُزومٌ يَتَراكَمُ عليه الزَّمَن

حالٌ تَأتي ثالِثةً بَعدَ الخَبَرَين، إذ كانَ المِرصادُ ثُمَّ المَآب، ثُمَّ جاءَ وَصفُ مَن بَلَغَ المَآب: «لابِثين».

واللُّبثُ من ل-ب-ث، وهو لُزومُ مَوضِعٍ يَتَراكَمُ فيه الزَّمَنُ حتّى يَصيرَ مِقداراً، فمَعناه فَوقَ الحُضورِ في مَكان، إذ هو مُقامٌ يَثقُلُ بِطولِه. ومِنه «لَبِثَ بِالمَكانِ» أي أقامَ بِه ولَزِمَه، و«التَّلَبُّث» لِلمُكثِ اليَسير.

وفي هذا الجَذرِ خاصّةٌ، هي أنَّه لا يَكادُ يَجيءُ في الكِتابِ إلّا ومَعَه مِقدارٌ يُقَدَّرُ بِه: يَوماً، أو بَعضَ يَوم، أو عَشراً، أو قَليلاً، فالفِعلُ يَستَدعي العَدَّ استِدعاءً، ويَقَعُ السُّؤالُ عَنه بِـ«كَم». وقد أعطَتِ الآيةُ المِقدارَ في كَلِمةٍ واحِدة: «أحقاباً».

«أَحْقَابًا»: مِقدارٌ حَقيقَتُه شَدُّ مُدّةٍ إلى مُدّة

والأحقابُ من ح-ق-ب، وهو شَدٌّ يُمسِكُ حِزمةً ثُمَّ يَصِلُها بِأُخرى، ومِنه «الحَقَب» لِلحَبلِ يُشَدُّ بِه الرَّحلُ فيُمسِكُه، و«احتَقَبَ» إذا شَدَّ مَتاعَه خَلفَه فحَمَلَه. فالحُقبةُ في أصلِ الحُروفِ مُدّةٌ تُشَدُّ إليها مُدّةٌ بَعدَها كَما يُشَدُّ العِدلُ إلى العِدل.

ولِذلك جاءَت جَمعاً: «أحقاباً»، والجَمعُ في هذه الكَلِمةِ تَتابُعٌ دونَ العَدّ، حِزمةٌ خَلفَ حِزمة، وكُلُّ واحِدةٍ مَشدودةٌ إلى التي تَليها بِالحَبلِ نَفسِه.

وبِهذا تَنقَلِبُ الكَلِمةُ على مَن يَطلُبُ بِها رَقماً، فاللُّبثُ يَستَدعي مِقداراً، والمِقدارُ الذي أُعطِيَ صيغةُ وَصلٍ لا تَقِفُ عِندَ آخِرِها، ولم يُعطَ عَدَداً. فقد سُئِلَ: كَم؟ فأُجيبَ: مُدّةٌ مَشدودةٌ إلى مُدّة، وهو جَوابٌ عن السُّؤالِ غَيرُ هارِبٍ مِنه، غَيرَ أنَّه لا يُكتَبُ بِرَقَم.

وهي نَكِرةٌ أيضاً، فلم تَأتِ «الأحقاب» مُعَرَّفةً فتَحُدَّ الجُملة، ولا ذُكِرَ لها أوَّلٌ ولا آخِر، فمَن أرادَ أن يَحسِبَها سِنينَ وَجَدَ الكَلِمةَ تَرُدُّه إلى الحَبلِ دونَ الميزان.


حَصيلة

يَتبَعُ وَصفُ الحالِ الخَبَرَين: مِرصادٌ فمَآبٌ فلُبث. و«لابِثين» من ل-ب-ث، أي لُزومُ مَوضِعٍ يَتَراكَمُ فيه الزَّمَنُ حتّى يَصيرَ مِقداراً، وهو جَذرٌ لا يَكادُ يَجيءُ إلّا ومَعَه ما يُقَدَّرُ بِه، فيَستَدعي السُّؤالَ بِـ«كَم». وقد جاءَ مِقدارُه هنا «أحقاباً»، من ح-ق-ب: شَدٌّ يُمسِكُ حِزمةً ثُمَّ يَصِلُها بِأُخرى، ومِنه الحَبلُ الذي يُشَدُّ بِه الرَّحل، والمُدّةُ التي تُشَدُّ إليها مُدّةٌ بَعدَها. فالجَمعُ فيها تَتابُعٌ لا عَدّ، والنَّكِرةُ تَمنَعُ الحَدَّ فلا يُذكَرُ لها أوَّلٌ ولا آخِر. وإذ سُئِلَ اللُّبثُ عن مِقدارِه أُعطِيَ مِقداراً لا يُكتَبُ بِرَقَم، حِزمةً خَلفَ حِزمة، والحَبلُ واحِد.