عبس · الآية 10

﴿فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ

«فَأَنتَ عَنْهُ»: السَّطرُ نَفسُه، وحَرفُ الجَرِّ مَقلوب

ثَلاثُ كَلِماتٍ على وَزنِ ثَلاثٍ سَبَقَت: فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾، فالفاءُ في مَوضِعِها، والضَّميرُ المُنفَصِلُ في مَوضِعِه، والجارُّ مُقَدَّمٌ على فِعلِه في المَوضِعَينِ مَعاً، ولم يَتَغَيَّرِ البِناءُ في شَيء.

وتَغَيَّرَ حَرفانِ لا غَير، فصارَت «لَهُ» «عَنْهُ»، واللّامُ تُدني وتَجعَلُ الوِجهةَ إلى المَذكور، و«عن» تُبعِدُ وتَجعَلُ الوِجهةَ مِنه. والتَّقديمُ يَحصُرُ في المَوضِعَين: إلى ذاكَ وَحدَه، وعن هذا وَحدَه.

فالمِيزانُ الذي فُتِحَ بِـ«أَمَّا» يُقفَلُ بِآيَتَينِ مُتَناظِرَتَينِ حَرفاً بِحَرف، ولا يُقرَأُ ثِقَلُ إحداهُما إلّا بِوَضعِها في كَفَّةٍ بِإزاءِ أُختِها.

«تَلَهَّىٰ»: انصِرافٌ مَشغولٌ لا انصِرافٌ خالٍ

ومادّةُ ل-ه-و انسِياقٌ يَتَّصِلُ بِفَرعٍ يَأخُذُ صاحِبَه عن أصلِه، فالكَلِمةُ تَحمِلُ اتِّصالاً قائِماً بِشَيءٍ آخَر، وليسَ فيها فَراغٌ ولا نَومٌ ولا نِسيان، فالمُتَلَهّي مَشغولٌ غَيرُ خالٍ، وشُغلُه هو الذي أخَذَه.

و«تَلَهَّىٰ» على وَزنِ تَفَعَّل، فالحَدَثُ راجِعٌ على فاعِلِه، إذ هو الذي شَغَلَ نَفسَه، وهو الوَزنُ نَفسُه في «تَصَدَّىٰ»، فالإقبالُ والانصِرافُ كِلاهُما صَنعةُ صاحِبِهِما.

وبِهذه الكَلِمةِ تَعودُ الآيةُ الأُولى، فـ«تَوَلَّىٰ» فَكُّ لُصوقٍ كانَ قائِماً، و«تَلَهَّىٰ» لُصوقٌ بِغَيرِه يَقومُ مَقامَه، والأوَّلُ يُخبِرُ بِما تُرِك، والثّاني يُخبِرُ بِما شُغِلَ بِه.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تُعيدُ بِناءَ فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ﴾ حَرفاً بِحَرف: فاءُ جَواب، وضَميرٌ مُنفَصِلٌ يُعَيِّن، وجارٌّ مُقَدَّمٌ يَحصُر. والذي تَبَدَّلَ حَرفا الجَرِّ وَحدَهُما، فاللّامُ تُدني والوِجهةُ بِها إلى المَذكور، و«عن» تُبعِدُ والوِجهةُ بِها مِنه. و«تَلَهَّىٰ» من ل-ه-و، وهو انسِياقٌ يَتَّصِلُ بِفَرعٍ يَأخُذُ صاحِبَه عن أصلِه، فالانصِرافُ مَشغولٌ لا خالٍ، ووَزنُ تَفَعَّلَ فيه هو وَزنُ «تَصَدَّىٰ» نَفسُه، فالإقبالُ والانصِرافُ صَنعةُ صاحِبِهِما لا حالٌ تَنزِلُ بِه. ثُمَّ تَعودُ الكَلِمةُ إلى مَطلَعِ السّورة، فهُناكَ فَكُّ لُصوقٍ كانَ، وهُنا لُصوقٌ بِغَيرِه يَقومُ مَقامَه، إذ لا يَنصَرِفُ أحَدٌ عن شَيءٍ إلى لا شَيء.