عبس · الآية 14

﴿مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ

«مَّرْفُوعَةٍ»: انفِصالٌ عن مَحَلٍّ ثُمَّ ظُهور

الجِذرُ ر-ف-ع جَريانٌ مُسترسِلٌ يُفَرِّقُ ويُبعِد، ثُمَّ ظُهورٌ من عُمق، فالرَّفعُ فَصلُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه وإبرازُه بَعدَ الفَصل، وهو خُروجٌ من مَحَلٍّ كانَ فيه إلى مَرأىً لم يَكُنْ عَلَيه، ولا يَقِفُ عِندَ العُلُوِّ في الجِهة.

وسَكَتَتِ الآيةُ عَمّا رُفِعَت عَنه وعن المَوضِعِ الذي رُفِعَت إلَيه، فاسمُ المَفعولِ يُثبِتُ أنَّها رُفِعَت ويُخفي مَن رَفَع. ومَن سألَ عنِ المِقدارِ وَجَدَ الكَلِمةَ تُخبِرُ بِالفِعلِ وَحدَه، أي بِشَيءٍ نُزِعَ من مَوضِعِه فبانَ، ولا يُقالُ كَم بان.

«مُّطَهَّرَةٍ»: إخلاءُ ما عَلا حتّى يَبقى الخالِص

وأصلُ ط-ه-ر انبِساطٌ ثَقيلٌ يُفرِغُ ما عَلا، ثُمَّ جَريانٌ يُديمُ ذلك الخُلوص، فالطُّهرُ في أصلِه رَفعُ طَبَقةٍ غَطَّت، وليسَ إضافةَ صَفاءٍ من خارِج، إذ ما تَحتَها كانَ هُناك، والذي جَرى كَشفُه لا صُنعُه.

و«مُطَهَّرة» على مُفَعَّلة، فهو فِعلٌ مُكَرَّرٌ مُستَقصىً لا لَمسةٌ واحِدة، والفاعِلُ لم يُذكَرْ كَما لم يُذكَرْ في أُختِها، ولم يُبَيَّنْ مِمّا طُهِّرَت، فالطَّبَقاتُ تُنَحّى ويُسكَتُ عن أسمائِها.

ثَلاثُ صِفاتٍ بِلا واوٍ تَفصِلُ بَينَها

والصِّفاتُ تَتَتابَعُ مَلصوقة: فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ ثُمَّ «مَرفوعةٍ مُطَهَّرة»، بِلا واوٍ بَينَ واحِدةٍ وأُختِها، والحَذفُ يَجعَلُهُنَّ وَصفاً واحِداً يَتَرَدَّدُ على مَوصوفٍ واحِد، لا ثَلاثةَ أخبارٍ تُعَدّ.

وفي الصِّيَغِ فَرقٌ يُسمَع، فـ«مَرفوعة» على مَفعولة من فَعَل، و«مُكَرَّمة» و«مُطَهَّرة» على مُفَعَّلة من فَعَّل، فهو فِعلٌ يَقَعُ مَرّةً بَينَ فِعلَينِ يُعالَجانِ ويُستَقصَيان. ويَجمَعُهُنَّ الجَرُّ والتَّنوينُ والتّاء، فيَتَوالى الوَقعُ نَفسُه ثَلاثاً، وتَقَعُ اثنَتانِ مِنهُنَّ في آخِرِ الآيَتَين.

وكُلُّهُنَّ مَبنِيّاتٌ لِلمَفعول، فهي ثَلاثُ صِفاتٍ لا فاعِلَ لِواحِدةٍ مِنها في اللَّفظ، والمَوصوفُ مَنعوتٌ ثَلاثاً ولا يُقالُ مِمَّن نالَ نُعوتَه.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تُتِمّانِ وَصفَ المَحمِل. فـ«مَرفوعة» من ر-ف-ع، وهو جَريانٌ يُفَرِّقُ ويُبعِدُ ثُمَّ ظُهورٌ من عُمق، فالرَّفعُ نَزعٌ من مَحَلٍّ يَعقُبُه بُروز، ولم يُذكَرْ عَمّا رُفِعَت ولا إلى أين. و«مُطَهَّرة» من ط-ه-ر، وهو انبِساطٌ يُفرِغُ ما عَلا ثُمَّ يَجري بِالخُلوص، فالتَّطهيرُ كَشفٌ لِما تَحتَ الطَّبَقةِ لا إضافةُ صَفاءٍ من خارِج، ولم يُبَيَّنْ مِمَّ طُهِّرَت. والصِّفاتُ الثَّلاثُ تَتَتابَعُ بِلا واوٍ فتَصيرُ نَعتاً واحِداً مُتَرَدِّداً، وتَختَلِفُ صِيَغُها بَينَ فِعلٍ يَقَعُ مَرّةً وفِعلَينِ يُستَقصَيان، وتَتَّحِدُ أواخِرُها في الجَرِّ والتَّنوين، وتَقَعُ اثنَتانِ مِنها في آخِرِ الآيَتَين. وكُلُّها مَبنِيّةٌ لِلمَفعول، فالمَوصوفُ تَتَراكَمُ عَلَيه النُّعوتُ ولا يُذكَرُ لَه ناعِت.