عبس · الآية 15

﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بِأَيْدِي سَفَرَةٍ

«بِأَيْدِي»: من ظَرفٍ يَحوي إلى ماسِكٍ يَحمِل

كانَ الكَلامُ في مَحمِلٍ ووَصفِه، فانتَقَلَ إلى مَن يُمسِكُه. والباءُ هُنا آلة: الصُّحُفُ مَحمولةٌ بِأيدٍ لا مَوضوعةٌ في فَراغ. أُغلِقَ بابُ المَكانِ وفُتِحَ بابُ الحَمل.

واليَدُ من ي-د-ي: امتِدادٌ لَيِّنٌ يَنتَهي إلى إمساكٍ ثابِت. تَمتَدُّ فتَبلُغُ ما لَيسَ مِنها، ثُمَّ تَقبِضُ فتَنقُل. فَما في اليَدِ لَيسَ فيها بِالمِلك، وإنَّما هو فيها بِالحَمل.

وجاءَتِ اليَدُ جَمعاً مُضافاً: «أيدي سَفَرة». لا واحِدَ يَنفَرِدُ بِالحَملِ، ولا اسمَ يُضافُ إلَيه الجَمع، بل وَصفٌ. أيدٍ كَثيرةٌ تُنسَبُ إلى فِعلٍ يُعرَفونَ بِه.

«سَفَرَةٍ»: اسمٌ يَقومُ على فِعلٍ لا على جِنس

الجِذرُ س-ف-ر جَريانٌ مُمتَدٌّ يَنفَتِحُ عمّا كانَ مَستوراً، ثُمَّ يَجري بِذلك الكَشفِ فلا يَقِف. فهو كَشفٌ يَمضي: لا رَفعَ غِطاءٍ في مَوضِعٍ ثُمَّ سُكون، بل انكِشافٌ يُتابِعُ طَريقَه. ومنه «أسفَرَ الصُّبح» انكَشَفَ بَعدَ ما غَطّاه، و«سَفَرَ عن وَجهِه» كَشَفَه، و«السَّفَر» انكِشافُ المَرءِ عن مَوضِعِه وانكِشافُ الأرضِ أمامَه.

و«سَفَرة» جَمعٌ على فَعَلة، وهو جَمعُ مَن قامَ بِالفِعلِ حتّى صارَ الفِعلُ صَنعَتَه: كَما يُقالُ في جَماعةٍ عُرِفَت بِعَمَلٍ تُلازِمُه. فالكَلِمةُ لا تَقولُ ما هُم، تَقولُ ماذا يَفعَلون. والوَصفُ يَقومُ مَقامَ الاسمِ ولا يَنوبُ عنه في التَّعيين.

وجاءَت نَكِرةً كَما جاءَتِ «صُحُف» نَكِرة. لا عَدَدَ ولا تَعريفَ ولا إضافةَ إلى مَعلوم. المَحمِلُ نَكِرةٌ والحامِلُ نَكِرة، والوَصفُ وَحدَه هو الذي تَراكَمَ عَلَيهِما.

الجِذرُ نَفسُه يَعودُ في السّورةِ وَجهاً لا يَداً

ويَنعَقِدُ لِهذا الجِذرِ مَوضِعٌ آخَرُ في السّورةِ نَفسِها: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ﴾. هُناكَ وَجهٌ انكَشَفَ عمّا كانَ عَلَيه، وهُنا أيدٍ تَحمِلُ ما يُكشَفُ بِه.

واللَّفظانِ من أصلٍ واحِد، والانكِشافُ فيهِما واحِد. أحَدُهُما يَكشِفُ ما يُحمَل، والآخَرُ يَنكَشِفُ هو بِما حُمِل. ومَن حَمَلَ ضَوءاً طالَ حَملُه ظَهَرَ عَلَيه ضَوءُ ما يَحمِل.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تَنقُلانِ الكَلامَ من مَحَلٍّ يَحوي إلى أيدٍ تَحمِل. الباءُ آلة، واليَدُ من ي-د-ي امتِدادٌ لَيِّنٌ يَنتَهي إلى إمساكٍ ثابِت، فما في اليَدِ مَحمولٌ لا مَملوك، وجاءَت جَمعاً مُضافاً إلى وَصفٍ لا إلى اسم. و«سَفَرة» من س-ف-ر: جَريانٌ يَنفَتِحُ عمّا كانَ مَستوراً ثُمَّ يَمضي بِه، وهي على فَعَلة جَمعُ مَن لازَمَ الفِعلَ حتّى عُرِفَ بِه، فالكَلِمةُ تَقولُ ماذا يَفعَلونَ ولا تَقولُ ما هُم، وجاءَت نَكِرةً كَما جاءَ المَحمِلُ نَكِرة. ثُمَّ يَعودُ الجِذرُ في السّورةِ نَفسِها في وُجوهٍ مُسفِرة، فالانكِشافُ واحِدٌ في المَوضِعَينِ ومَحَلُّه يَختَلِف. الآيةُ تُسَمّي الأيديَ وتَصِفُ أصحابَها بِفِعلِهِم، وتَقِفُ.