التكوير · الآية 3

﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ

«الْجِبَالُ»: كَلِمةٌ مَعناها لُزومُ المَوضِع

أَصلُ ج-ب-ل تَكَتُّلٌ يَلتَصِقُ بِمَوضِعِه ثُمَّ يَمتَدُّ فيه، وفي كَلامِ العَرَبِ «جُبِلَ على كَذا» لِما رُكِّبَ في الشَّيءِ تَركيباً لا يُفارِقُه. فمَعنى اللُّزومِ داخِلٌ في الجِذرِ نَفسِه، سابِقٌ على كُلِّ وَصفٍ يوصَفُ بِه الجَبَل.

ولِذلك اتَّخَذَه النّاسُ مِقياساً لِما لا يَتَحَرَّك، فيُقالُ لِلثّابِتِ إنَّه كالجَبَل، ويُشارُ إلَيه في الأُفُقِ فيُعرَفُ بِه المَكان، إذ هو شاهِدٌ لا يُتَّهَمُ بِأنَّه بَرِح.

«سُيِّرَتْ»: المُضِيُّ يُحمَلُ على ما لا يَمضي

والسَّيرُ من س-ي-ر، ومَعناه مُضِيٌّ مُتَّصِلٌ مُستَرسِلٌ في مَجرى، ومِنه السِّيرةُ لِلهَيئةِ التي يُسارُ عَلَيها. وأصلُ الفِعلِ أن يُسنَدَ إلى مَن يَمشي بِنَفسِه، وقد أُسنِدَ هُنا إلى ما لا يَمشي.

وجاءَ على فُعِّلَت، والتَّضعيفُ فيه يُكَثِّرُ الفِعلَ ويُطيلُه، فالمُرادُ تَسييرٌ مُتَمادٍ، لا دَفعةٌ واحِدة. وبُنِيَ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالجِبالُ مُسَيَّرةٌ غَيرُ سائِرة، وبِذلك يُساقُ أثبَتُ ما في الأرضِ في الآيةِ نائِبَ فاعِل، كما سيقَتِ الشَّمسُ قَبلَه.


حَصيلة

وهذا ثالِثُ الشُّروط، وهو ماضٍ على السَّنَنِ نَفسِه: اسمٌ يَدُلُّ على مَعنىً، وفِعلٌ يَنزِعُه مِنه. فـ«الْجِبَالُ» من ج-ب-ل، وهو تَكَتُّلٌ يَلتَصِقُ بِمَوضِعِه ويَمتَدُّ فيه، فاللُّزومُ في الاسمِ نَفسِه، لا في وَصفٍ يُضافُ إلَيه. و«سُيِّرَتْ» من س-ي-ر، وهو مُضِيٌّ مُتَّصِلٌ في مَجرى، وقد جاءَ على فُعِّلَت لِلتَّكثيرِ والإطالة، ومَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه. وبِهذا يَتَّضِحُ النَّسَق: شَمسٌ مَعناها الانتِشارُ تُلَفّ، ونُجومٌ مَعناها التَّمَيُّزُ تُغشى، وجِبالٌ مَعناها الثَّباتُ تُسَيَّر، فهي ثَلاثةُ أسماءٍ نُزِعَ من كُلِّ واحِدٍ مِنها ما كانَ بِه يُسَمّى.