المطففين · الآية 30

﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ

«وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ»: عُبورٌ يُلامِسُ ولا يُقيم

«إذا» ظَرفُ ما يَقَعُ ويُعادُ، لا ظَرفُ ما وَقَعَ مَرّةً فانقَضى. وهي أُولى ثَلاثٍ مُتَوالِياتٍ في السّورة: هذه، ثُمَّ وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾، ثُمَّ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾. ثَلاثةُ مَواضِعَ مَفتوحةٍ لا ثَلاثةُ أيّامٍ مَعدودة.

و«مَرَّ» من م-ر-ر: تَلاصُقٌ يَجري، اجتِيازٌ يَمَسُّ المَوضِعَ ولا يَمكُثُ فيه. وتَضعيفُ الرّاءِ يُكَثِّفُ هذا الجَرَيانَ فلا يَقِف. فالمُرورُ في جِذرِه لَمسٌ بِغَيرِ وُقوف.

والباءُ في «بِهِم» باءُ المُلاصَقة: مَرّوا عَلى قُربٍ لا عن بُعد. وهذا القُربُ هو الذي جَعَلَ الإشارةَ مُمكِنة، وهو نَفسُه الذي مَنَعَ الوُقوف. مَسافةٌ تَكفي لِلغَمزِ ولا تَكفي لِلنَّظَر.

«يَتَغَامَزُونَ»: إشارةٌ لا تَتِمُّ بِواحِد

«يَتَغامَزون» على وَزنِ تَفاعَل، ووَزنُ تَفاعَلَ مُشارَكة. لم يَقَعِ الغَمزُ من واحِدٍ على واحِد، بَل تَبادَلوه بَينَهُم. فالمارُّ بِه مادّةٌ لِلإشارة، والمَقصودُ بِها الشَّريكُ الواقِفُ إلى جانِبِه.

والجِذرُ غ-م-ز غَورٌ يُمسِكُ في الباطِنِ ثُمَّ يَنفُذُ حادّاً إلى مَن قُصِدَ بِه وَحدَه. ومنه «غَمَزَ بِعَينِه» أشارَ إشارةً لا يَراها غَيرُ المَقصود، و«غَمَزَ الشَّيءَ بِيَدِه» عَصَرَه لِيَعرِفَ ما تَحتَ ظاهِرِه، و«الغَميزة» العَيبُ الخافي يُطلَبُ به صاحِبُه.

وبَينَ هذه الآيةِ وسابِقَتِها فَرقٌ في الجِهة. كانَ الضَّحِكُ انفِراجاً يَخلُصُ إلى الخارِجِ فيُبدي ما وَراءَه، وهذا غَورٌ يُغَطّي ما بَينَهُم. الأوَّلُ يَنكَشِفُ بِنَفسِه، والثاني يُحكِمُ إغلاقَه على اثنَين. وما احتاجَ إلى شَريكٍ كَي يُفهَمَ لا يَقومُ وَحدَه.


حَصيلة

تَفتَحُ «إذا» أوَّلَ ثَلاثةِ مَواضِعَ مُتَوالِيةٍ في السّورة، فالمَشهَدُ مَوقِفٌ يَتَكَرَّرُ لا يَومٌ يُؤَرَّخ. و«مَرَّ» (م-ر-ر) تَلاصُقٌ يَجري: مَسٌّ بِالمَوضِعِ من غَيرِ مُكث، وتَضعيفُ الرّاءِ يَمنَعُ الوُقوف. والباءُ في «بِهِم» تُلصِقُ المُرورَ بِهِم، فالقُربُ الذي أتاحَ الإشارةَ هو القُربُ الذي لم يَتَّسِعْ لِوَقفة. ثُمَّ «يَتَغامَزون» على تَفاعَل، فالغَمزُ مُتَبادَلٌ بَينَهُم لا واقِعٌ على المارِّ بِه: هو مادّةٌ والشَّريكُ هو المَقصود. وغ-م-ز غَورٌ يُمسِكُ في الباطِنِ ثُمَّ يَنفُذُ حادّاً إلى واحِدٍ بِعَينِه، ومنه غَمزُ العَينِ الذي لا يَراهُ غَيرُ المَقصودِ وغَمزُ اليَدِ الذي يَجُسُّ ما تَحتَ الظّاهِر. فالآيةُ تَنقُلُ الفِعلَ من انفِراجٍ يُبدي في الآيةِ قَبلَها إلى غَورٍ يَستُرُ هُنا، وتُبقيه في الحالَينِ مُحتاجاً إلى مَن يَراه.