المطففين · الآية 29

﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ

«الَّذِينَ أَجْرَمُوا»: كُتلةٌ تَصنَعُ حَدَّها بِنَفسِها

لم تُسَمِّ الآيةُ أحَداً، فقد ذَكَرَت «الَّذِينَ أَجْرَمُوا» ووَقَفَت عِندَه، وسَمَّت في نَفسِها فَريقاً آخَرَ بِالطَّريقةِ عَينِها: «الَّذِينَ آمَنُوا»، فهو اسمٌ مَوصولٌ ثُمَّ فِعلٌ مَرَّتَين، بِلا نَسَبٍ ولا قَبيلةٍ ولا عَلَم.

والجِذرُ ج-ر-م كُتلةٌ تَتَلاصَقُ حتّى تَتَحَيَّزَ فتَنفَصِلَ عَمّا حَولَها، ومِنه «الجِرمُ» لِلجَسَدِ الذي يُقاسُ بِحَدِّه لا بِما جاوَرَه، و«جَرَمَ النَّخلَ» إذا قَطَعَ ثَمَرَه عن أصلِه، فالثَّمَرةُ تُفصَلُ عن العُذقِ فتَصيرُ شَيئاً قائِماً بِذاتِه، وهذه صورةُ الجِذرِ في اليَد.

وجاءَ «أجرَموا» على وَزنِ أفعَلَ دونَ «جَرَموا»، والهَمزةُ تَجعَلُهُم صانِعي هذا التَّحَيُّزِ في أنفُسِهِم، فالحَدُّ صَنيعُهُم، لا واقِعٌ بِهِم. ثُمَّ وَصَلَتِ الآيةُ هذا الحَدَّ بِالضَّحِكِ في نَفَسٍ واحِدٍ ولم تَفصِلْ بَينَهُما بِشَيء.

«كَانُوا … يَضْحَكُونَ»: هَيئةٌ مُقيمةٌ لا نَوبةٌ عارِضة

ولَو جاءَ الفِعلُ «ضَحِكوا» لَكانَ نَوبةً تَمُرّ، والذي جاءَ «كانوا» ثُمَّ المُضارِعُ بَعدَه، فصارَ الضَّحِكُ حالاً مُقيمةً في زَمَنٍ مَضى، وعادةً لا يُعرَفُ لَها ابتِداء، ولَيسَ لَحظةً يُشارُ إلَيها.

وأصلُ ض-ح-ك انفِراجٌ يَخلُصُ خارِجاً ثُمَّ يَنفَلِتُ مَقطوعاً دَفعةً بَعدَ دَفعة، ومِنه «ضَحِكَتِ الأرضُ بِالنَّبات» إذا انشَقَّت عَنه فظَهَر، و«الضّاحِكُ» من الأسنانِ ما يَبدو عِندَ انفِراجِ الشَّفَتَين، فالضَّحِكُ شَقٌّ يُبدي ما وَراءَه.

وهذا يَقلِبُ جِهةَ النَّظَر، فالوَجهُ الذي انفَرَجَ هو الوَجهُ الذي انكَشَف، وما ضَحِكوا مِنه بَقِيَ كما هو، والضّاحِكُ وَحدَه أبدى ما تَحتَ شَفَتِه.

«مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا»: المادّةُ تَتَقَدَّمُ على الفِعل

ورَتَّبَتِ الآيةُ الجُزءَينِ تَرتيباً مَقصوداً: «مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ»، فقُدِّمَ المَضحوكُ مِنه على الضَّحِك، وأوَّلُ ما تَبلُغُه الأُذُنُ الفَريقُ الآخَر، ثُمَّ يَجيءُ الفِعلُ بَعدَه. وهذا التَّرتيبُ نَفسُه سَيَعودُ في خِتامِ السّورةِ مَقلوباً.

و«مِن» في مَوضِعِها لابتِداءِ الغاية، أي أنَّ الضَّحِكَ يُستَخرَجُ مِنهُم، فلَيسَ لِلضّاحِكينَ هُنا مادّةٌ من عِندِ أنفُسِهِم، وإنَّما يَأخُذونَ ما يَضحَكونَ بِه من غَيرِهِم، وهو ضاحِكٌ لا يَملِكُ مادّةَ ضَحِكِه.

و«آمَنوا» من أ-م-ن على وَزنِ أفعَلَ أيضاً، وأصلُه حَوزٌ مُحكَمٌ يَنبَعِثُ مِنه أمانٌ إلى مَن دَخَلَه. فالفَريقانِ مَوصوفانِ بِوَزنٍ واحِدٍ وفِعلَينِ مُتَقابِلَين: هؤلاءِ أنشَأوا حَدّاً يَفصِل، وهؤلاءِ أنشَأوا مَركَزاً يُؤَمِّن، والآيةُ تُسَمّي بِالفِعلِ لا بِالنَّسَب.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ آخِرَ حَرَكةٍ في السّورةِ بِفَريقَينِ لا اسمَ لِواحِدٍ مِنهُما: «الَّذِينَ أَجْرَمُوا» و«الَّذِينَ آمَنُوا»، مَوصولٌ وفِعلٌ مَرَّتَين. وج-ر-م كُتلةٌ تَتَلاصَقُ حتّى تَتَحَيَّزَ فتَنفَصِل، ووَزنُ أفعَلَ يَجعَلُ الحَدَّ صَنيعَهُم في أنفُسِهِم. ثُمَّ «كانوا» مَعَ المُضارِعِ يُقيمُ الضَّحِكَ حالاً لا نَوبة، وأصلُ ض-ح-ك انفِراجٌ يَنفَلِتُ مَقطوعاً، وشَقٌّ يُبدي ما وَراءَه، فالوَجهُ المُنفَرِجُ هو المُنكَشِف. وتَقديمُ «مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا» على «يَضْحَكُونَ» يَجعَلُ المَضحوكَ مِنه أوَّلَ المَسموع، و«مِن» تَجعَلُه مادّةَ الضَّحِكِ ومَوضوعَه جَميعاً. و«آمَنوا» من أ-م-ن على وَزنِ أفعَلَ كما جاءَ «أجرَموا»، فهُما وَزنٌ واحِدٌ وفِعلانِ مُتَقابِلان: حَدٌّ يَفصِلُ وحَوزٌ يُؤَمِّن. وهذا التَّرتيبُ كُلُّه مَحفوظٌ لِيُقلَبَ بَعدَ خَمسِ آيات.