المطففين · الآية 31

﴿وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ

«انقَلَبُوا … انقَلَبُوا»: فِعلٌ واحِدٌ مَرَّتَينِ في سِتِّ كَلِمات

والفِعلُ نَفسُه يَقَعُ مَرَّتَينِ في آيةٍ قَصيرة، مَرّةً مَعَ جِهةٍ يُقصَدُ إلَيها، ومَرّةً مَعَ هَيئةٍ يُرجَعُ عَلَيها، فالمَسيرُ والحالُ مَحمولانِ على كَلِمةٍ واحِدة، والتَّكرارُ هو الخَبَر.

و«انقَلَبَ» من ق-ل-ب، وأصلُه عُمقٌ مُحكَمٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يَخرُجُ إلى الظّاهِر، أي مَركَزٌ يَتَحَوَّلُ بَينَ وَجهَين. ووَزنُ انفَعَلَ لِلمُطاوَعة، فهو تَحَوُّلٌ يَقَعُ بِهِم، لا مَشيٌ يَنتَقونَه. ولِلرُّجوعِ إلى الأهلِ ألفاظٌ كَثيرة، وأوثِرَ مِنها هُنا لَفظُ انقِلابِ الوَجهِ على الوَجه.

والانقِلابُ هُنا صَغير، من مَوضِعٍ إلى مَوضِع، وفي خِتامِ السّورةِ انقِلابٌ أكبَرُ لا يُسَمّى بِلَفظِه، إذ تُقالُ الجُملةُ التي فيها ضَحِكُهُم ثانِيةً وقد تَبادَلَ طَرَفاها مَوضِعَيهِما، ومَن أتقَنَ الانقِلابَ في يَومِه لا يَنجو مِنه في مَآلِه.

«إِلَىٰ أَهْلِهِمُ»: الجَوفُ الذي يَحوزُهُم

و«إلى» تُنهي الحَرَكةَ عِندَ غاية، والغايةُ هُنا «أهلُهُم». وأصلُ أ-ه-ل جَوفٌ يُملَأُ فيُنسَبُ إلى الحائِزِ لَه، أي التِصاقٌ بِحَيِّزٍ يَحوي، ومِنه «المَأهولُ» لِلمَوضِعِ المَملوءِ بِساكِنيه، وضِدُّه الخالي.

فالأهلُ في الجِذرِ حَيِّزٌ يَسَعُ ويَنسِب، لا قَرابةٌ تُحسَبُ بِالوِلادة، وبِهذا يَتَبَيَّنُ اختِيارُ الكَلِمةِ هُنا، فالَّذينَ صَنَعوا لِأنفُسِهِم حَدّاً يَفصِلُهُم عَمّا حَولَهُم يَنقَلِبونَ إلى الحَيِّزِ الذي يَحوزُهُم داخِلَ ذلك الحَدّ.

والحَرَكةُ في المَشهَدِ كُلِّه إلى الدّاخِل، فقد مَرّوا فأشاروا خُفيةً إلى واحِدٍ يَفهَم، ثُمَّ رَجَعوا إلى جَوفٍ يَسَعُهُم جَميعاً، وما ضاقَ بِه المَمَرُّ يُحمَلُ إلى الأهل.

«فَكِهِينَ»: ما أُخِذَ عن سَعةٍ لا عن حاجة

و«فَكِهين» حالٌ من الفاعِلِ في الفِعلِ الثّاني، تُبَيِّنُ الهَيئةَ التي كانَ عَلَيها انقِلابُهُم. ومادَّتُه ف-ك-ه: انشِقاقٌ عن مَكنونٍ يُؤخَذُ خَفيفاً بِلا كُلفة.

ومِنه «الفاكِهةُ» لِما يُؤكَلُ تَلَذُّذاً لا تَقَوُّتاً، و«الفَكِهُ» لِلطَّيِّبِ النَّفسِ المُتَنَعِّم، و«الفُكاهةُ» لِمُلَحِ الكَلامِ يُتَنَعَّمُ بِها، وصورةُ الجِذرِ في اليَدِ قِشرةٌ تُشَقُّ فيُؤخَذُ ما تَحتَها بِغَيرِ عَناء، وهو مَوضوعٌ لِما بَعدَ الكِفايةِ لا لِما تُسَدُّ بِه.

فالذي حَمَلوه إلى أهلِهِم فاكِهةٌ لا قوت، لم يُكَلِّفْهُم شَيئاً ولم يُقِمْ فيهِم بِنية. والشَّقُّ حاضِرٌ في ض-ح-ك وفي ف-ك-ه مَعاً: هُناكَ انفِراجٌ يَخلُصُ خارِجاً فيَنفَلِتُ مَقطوعاً، وهُنا شَقٌّ يَفتَحُ ما كانَ مُحتَبِساً فيُؤخَذُ خَفيفاً، فهُما شَقّانِ مُتَتالِيان، وما خَرَجَ مِنهُما لا يُشبِع.


حَصيلة

تُعيدُ الآيةُ فِعلَها مَرَّتَينِ في سِتِّ كَلِمات: «انقَلَبُوا» مَعَ الجِهةِ ثُمَّ «انقَلَبُوا» مَعَ الحال، فالمَسيرُ والهَيئةُ يَحمِلُهُما لَفظٌ واحِد. وق-ل-ب عُمقٌ يَتَعَلَّقُ ثُمَّ يَخرُجُ إلى الظّاهِر، ووَزنُ انفَعَلَ يَجعَلُ التَّحَوُّلَ واقِعاً بِهِم، فسُمِّيَ رُجوعُهُم إلى أهلِهِم بِاسمِ قَلبِ الوَجهِ على الوَجه، وسَيَقَعُ في خِتامِ السّورةِ انقِلابٌ أكبَرُ لا يُسَمّى بِلَفظِه. و«إلى أهلِهِم» غايةٌ لا مَسافة، وأصلُ أ-ه-ل جَوفٌ يُملَأُ فيُنسَبُ إلى حائِزِه، فالأهلُ حَيِّزٌ يَحوي لا قَرابةٌ تُحسَب، وصانِعو الحَدِّ يَعودونَ إلى ما يَسَعُهُم داخِلَه. و«فَكِهين» حالٌ من ف-ك-ه، وهو انشِقاقٌ عن مَكنونٍ يُؤخَذُ خَفيفاً بِلا كُلفة، ومِنه الفاكِهةُ التي تُؤكَلُ تَلَذُّذاً لا تَقَوُّتاً، والفُكاهةُ التي يُتَنَعَّمُ بِها. فما حُمِلَ من المَمَرِّ إلى الأهلِ فاكِهةٌ لا قوت، والشَّقُّ الذي في ض-ح-ك يُقابِلُه الشَّقُّ الذي في ف-ك-ه، وما خَرَجَ مِنهُما يَخِفُّ ولا يُقيم.