المطففين · الآية 4

﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ

«أَلَا»: استِفهامٌ يُوضَعُ فَوقَ نَفي

حَرفانِ مَضمومانِ في نُطقةٍ واحِدة: هَمزةُ استِفهامٍ و«لا» نافِية. والسُّؤالُ إذا دَخَلَ على النَّفيِ لَم يَطلُبْ خَبَراً، إنَّما طَلَبَ رَفعَ النَّفيِ نَفسِه.

فالجُملةُ لا تَستَعلِم. تُوقِظ. تَضَعُ النَّفيَ أمامَ السّامِعِ وتَسأَلُه: أهكذا هو؟

وهذا أوَّلُ التِفاتٍ في السّورة. كانَ الكَلامُ عن يَدٍ تَعمَل، فصارَ عَمّا يَقومُ خَلفَ اليَد.

«يَظُنُّ أُولَٰئِكَ»: أقَلُّ ما يُطلَب، وإشارةٌ من بَعيد

الجِذرُ ظ-ن-ن حِجابٌ يُطبِقُ ويَبقى تَحتَه رَنينٌ يَنبَعِثُ من الجَوف، ثُمَّ تُضاعَفُ النّونُ فيَثبُتُ النُّفوذُ ويَشتَدّ. فالظَّنُّ تَصَوُّرٌ كَثيفٌ يَستَقِرُّ في الصَّميمِ ويَحمِلُ صاحِبَه على فِعل، ولا يَبلُغُ الرُّؤية.

ولَم تَطلُبِ الآيةُ عِلماً ولا يَقيناً. طَلَبَت ظَنّاً. وهذا أدنى ما تَتَحَرَّكُ بِه يَد، وأدنى ما يُطلَبُ مِمَّن جَعَلَ صَنعَتَه في أدنى المَقادير.

ومَن أحصى الشَّعرةَ في المِكيالِ فهو حاسِبٌ ماهِر. الآيةُ تَسأَلُه عن حِسابٍ واحِدٍ لَم يُدخِلْه في دَفتَرِه.

و«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى بَعيد. لَم تُسَمِّهِمُ السّورةُ ولا تُسَمّيهِم هُنا، وإنَّما تُشيرُ إلَيهِم من مَسافة. والذي يُشارُ إلَيه من بُعدٍ يَراهُ السّامِعُ كما يَرى غَيرَه، لا كما يَرى نَفسَه.

«أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ»: أوَّلُ فِعلٍ يَقَعُ عَلَيهِم

الجِذرُ ب-ع-ث إخراجٌ من العُمقِ يَتَكَثَّفُ فيَحضُر. باءٌ تَنفَتِحُ فتُخرِج، وعَينٌ تُظهِرُ ما كانَ في العُمق، وثاءٌ تُكَثِّفُ الخارِجَ فيَصيرُ لَه حُضور.

وهذا نَقيضُ ما بَنَوا عَلَيه صَنعَتَهُم. التَّطفيفُ يَعيشُ عِندَ الحافّةِ حَيثُ لا تَبلُغُه العَين، والبَعثُ إخراجٌ إلى الظُّهور. الشَّعرةُ التي أُخِذَت في الظِّلِّ تُرفَعُ إلى الضَّوء.

وعُدَّ الأفعالَ التي سَبَقَت هذه الكَلِمة: اكتالوا، يَستَوفون، كالوا، وَزَنوا، يُخسِرون. خَمسةٌ هُم فيها الفاعِلون. ثُمَّ «مَبعوثون» اسمُ مَفعول: أوَّلُ مَوضِعٍ في السّورةِ يَقَعُ فيه الفِعلُ عَلَيهِم لا مِنهُم.

الذي أمسَكَ المِكيالَ صارَ في المِكيال.


حَصيلة

يَنتَقِلُ السَّطرُ من اليَدِ إلى ما خَلفَها. «أَلَا» هَمزةُ استِفهامٍ على «لا» نافِية، فالجُملةُ تُوقِظُ ولا تَستَعلِم. و«يَظُنُّ» أدنى الدَّرَجات: الجِذرُ ظ-ن-ن حِجابٌ يُطبِقُ وتَحتَه رَنينٌ يَنفُذُ ويَشتَدُّ بِتَضعيفِ النّون، تَصَوُّرٌ كَثيفٌ يَحمِلُ على فِعلٍ ولا يَبلُغُ الرُّؤية؛ فالمَطلوبُ من صاحِبِ أدنى المَقاديرِ أدنى ما تَتَحَرَّكُ بِه يَد. و«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ من بَعيدٍ بِلا تَسمِية. ثُمَّ «مَّبْعُوثُونَ» من ب-ع-ث: إخراجٌ من العُمقِ يَتَكَثَّفُ فيَحضُر، وهو نَقيضُ صَنعةٍ تَعيشُ عِندَ الحافّةِ بَعيداً عن العَين. وهو اسمُ مَفعولٍ بَعدَ خَمسةِ أفعالٍ كانوا فيها الفاعِلين: أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيه الفِعلُ عَلَيهِم. الذي أمسَكَ المِكيالَ صارَ في المِكيال.