المطففين · الآية 3

﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ

«كَالُوهُمْ»: الحَرفُ الذي سَقَط

كانَ الفِعلُ في الآيةِ قَبلَها «اكْتَالُوا»، وبَينَه وبَينَ النّاسِ حَرفٌ ظاهِر. وهُنا «كَالُوا» مُجَرَّدٌ، والضَّميرُ لاصِقٌ بِآخِرِه بِلا فاصِل.

سَقَطَت زِيادةُ الفِعلِ وسَقَطَ الحَرفُ مَعاً. التّاءُ التي كانَت تَصرِفُ الكَيلَ إلى حِسابِهِم ذَهَبَت حينَ صارَ الكَيلُ لِغَيرِهِم، و«عَلى» التي رَفَعَتهُم فَوقَ النّاسِ لَم يَخلُفْها شَيء.

وفي كَلامِ العَرَبِ يُقالُ «كالَ لَه» إذا كالَ لِصاحِبِ الحَقِّ حَقَّه، فتَكونُ اللّامُ عَلامةَ النَّصيب. وهذه اللّامُ بِعَينِها هي الغائِبةُ هُنا. الحَرفُ الذي يَقولُ «لِفُلانٍ نَصيب» هو المَتروك.

ثُمَّ اختَصَرَتِ الآيةُ الطَّرَفَ الآخَرَ أيضاً. كانَ في السَّطرِ السّابِقِ اسماً ظاهِراً «النَّاسِ»، وصارَ هُنا ضَميراً مُلصَقاً بِالفِعل. اسمٌ كامِلٌ حينَ يُؤخَذُ مِنه، وحَرفانِ حينَ يُعطى.

فتَصنَعُ الآيةُ بِحُروفِها ما تَحكيهِ عن أيديهِم: تُنقِصُ من طَرَفِ الكَلامِ حَرفاً كما يُنقِصونَ من طَرَفِ المِكيالِ شَعرة. التَّطفيفُ يَبلُغُ النَّحوَ قَبلَ أن يَبلُغَ الحَبّ.

«أَو وَّزَنُوهُمْ»: كَفّتانِ لا كَفّةٌ واحِدة

«أَو» تَجعَلُ الوَزنَ بَديلاً عن الكَيل: أداةٌ ثانِيةٌ والصَّنعةُ واحِدة. ما يُكالُ يُقاسُ بِحَيِّزِه، وما يُوزَنُ يُقاسُ بِثِقَلِه، والنُّقصانُ يَعبُرُ الأداتَينِ مَعاً.

والجِذرُ و-ز-ن رَبطُ ثِقَلٍ مُكتَنِزٍ بِمُقابِلِه حتّى يَستَقيمَ بَينَهُما حَدّ. حُروفُه تَقولُ طَرَفَين: عَقدٌ يُحيطُ، ومُكتَنِزٌ مَضغوطٌ في مَضيق، وحَبسٌ في جَوفٍ يُقابَلُ بِه غَيرُه.

فالمِيزانُ في أصلِ كَلِمَتِه عِلاقة. كَفّةٌ لا تَعرِفُ ثِقلَها إلّا بِكَفّةٍ ثانِية، وعَمودٌ لا يَستَقيمُ إلّا بَينَ اثنَين. ومَن عَمِلَ في كَفّةٍ واحِدةٍ نَقَضَ الشَّيءَ الذي تَقومُ بِه الكَلِمةُ نَفسُها.

«يُخْسِرُونَ»: نُقصانٌ يُرسَلُ ولا يُقالُ في أيِّ حِسابٍ يَجري

الجِذرُ خ-س-ر نُقصانٌ يَسري ويَجري ولا يَقِف. خاءٌ تُخَلخِلُ فتُفرِغ، وسينٌ تَجري مُتَّصِلة، وراءٌ تُرسِلُ الجَريانَ فلا يَنقَطِع. ومنه خَسِرَ التّاجِرُ إذا خَرَجَ من المُبادَلةِ بِأقَلَّ من رَأسِ مالِه.

والصّيغةُ على أفعَل: «يُخسِرون» جَعلُ النُّقصانِ في غَيرِهِم. الهَمزةُ في صَدرِ الفِعلِ تَنقُلُ الحَدَثَ عن فاعِلِه إلى سِواه.

وقد لَصِقَ الضَّميرُ «هُم» بِالفِعلَينِ قَبلَه: كالوهُم، ووَزَنوهُم. ثُمَّ جاءَ الفِعلُ الثّالِثُ عارِياً: «يُخسِرون» بِلا مَفعولٍ يُذكَر. تُرسِلُ الآيةُ النُّقصانَ ولا تَقولُ أينَ يَستَقِرّ.

وهذا فَراغٌ في آخِرِ السَّطر، تَملَؤُهُ الآيةُ التّالِية. النُّقصانُ الذي جَرى بِلا حِسابٍ مُسَمّىً يُذكَرُ لَه حِسابٌ بَعدَ كَلِمَتَين.


حَصيلة

يَنقَلِبُ السَّطرُ في حُروفِه لا في مَعانيه وَحدَها. ذَهَبَت تاءُ «اكْتَالُوا» فبَقِيَ «كَالُوا» مُجَرَّداً، وذَهَبَت «عَلى» فلَم يَخلُفْها شَيء، واللّامُ التي يُقالُ بِها «كالَ لَه» لِصاحِبِ الحَقِّ هي المَتروكةُ هُنا، وصارَ «النَّاسِ» ضَميراً مُلصَقاً بَعدَ أن كانَ اسماً ظاهِراً. ثُمَّ «أَو وَّزَنُوهُمْ»: أداةٌ ثانِيةٌ والصَّنعةُ واحِدة، والجِذرُ و-ز-ن رَبطُ ثِقَلٍ بِمُقابِلِه، فالمِيزانُ عِلاقةُ طَرَفَينِ لا كَفّةٌ واحِدة. ثُمَّ «يُخْسِرُونَ» على أفعَل، والجِذرُ خ-س-ر نُقصانٌ يَجري ولا يَقِف، والفِعلُ بِلا مَفعولٍ بَعدَ فِعلَينِ لَصِقَ بِهِما الضَّمير. تُنقِصُ الآيةُ من طَرَفِ الكَلامِ حَرفاً كما يُنقِصونَ من طَرَفِ المِكيالِ شَعرة، وتَترُكُ في آخِرِها فَراغاً يَملَؤُهُ السَّطرُ التّالي.