الانشقاق · الآية 11

﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا

«فَسَوْفَ»: المُهلةُ نَفسُها والفِعلُ يَنقَلِبُ بِناؤُه

تُعادُ هُنا الكَلِمةُ التي فُتِحَ بِها جَوابُ الجِهةِ الأُولى في فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، ففيها فاءٌ وسَوفَ كما كانَتا هُناك، والتَّأجيلُ لِلمَصيرَينِ واحِد.

والذي انقَلَبَ بِناءُ الفِعلِ بَعدَها، فـ«يُحَاسَبُ» هُناكَ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، والحَدَثُ فيه واقِعٌ بِه، و«يَدْعُو» هُنا مَبنيٌّ لِلفاعِل، والحَدَثُ فيه صادِرٌ عنه، وأوَّلُ ما يُنسَبُ إلى هذا الفَريقِ في جَوابِه فِعلٌ يَخرُجُ مِنه هو.

«يَدْعُو»: نِداءٌ يَمتَدُّ ولا يُذكَرُ لَه مُجيب

والدُّعاءُ من الجِذرِ د-ع-و، وأصلُه مَحبوسٌ ثابِتٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثُمَّ يُوصَلُ بِمَن يُوَجَّهُ إليه، فالدُّعاءُ صَوتٌ يَخرُجُ من الباطِنِ ويَمتَدُّ نَحوَ طَرَفٍ يُطلَبُ مِنه الجَواب، والذي في الجِذرِ امتِدادٌ إلى مَن يَسمَع، دونَ صِياحٍ في فَراغ.

والآيةُ تَذكُرُ الفِعلَ ولا تَذكُرُ المُنادى، فقدِ امتَدَّ الصَّوتُ ولم يُسَمَّ الطَّرَفُ الذي يَبلُغُه، ولم تُذكَرْ إجابةٌ ولا رَدّ، فهو نِداءٌ تامُّ الصّيغةِ ناقِصُ الطَّرَف.

«ثُبُورًا»: يُنادي ما لا يُلَمُّ شَملُه

و«ثُبُورًا» مَنصوبٌ مُنَكَّر، والمُرادُ بِه المَدعُوُّ بِه دونَ المَدعُوِّ نَفسِه. ودُعاءُ الإنسانِ في العادةِ يَطلُبُ ما يُقيمُه، وهذا الدُّعاءُ يَطلُبُ ما يُبَدِّدُه.

وث-ب-ر انتِثارٌ دَقيقٌ يَنفَتِحُ فيَخرُجُ ثُمَّ يَجري مُستَرسِلاً فلا يُمسَك، ومِنه «ثَبَرَ» بِمَعنى أهلَكَ فبَدَّد، فالمَطلوبُ بِالنِّداءِ تَفَرُّقٌ لا يُجمَعُ بَعدَه شَتات، وهو صَوتٌ واحِدٌ يَخرُجُ من الباطِنِ لِيَطلُبَ أن يَتَفَرَّقَ الباطِنُ نَفسُه.

والتَّنكيرُ يَترُكُه بِلا حَدٍّ يُوقِفُه، وعُدِلَ عن «الثُّبور» مُعَرَّفاً يُعرَفُ بِحَدِّه، ولم يُوصَفْ بِوَصفٍ يَقيسُه، فهو تَبَدُّدٌ مَفتوحٌ آخِرُه.


حَصيلة

«فَسَوْفَ» هي كَلِمةُ الجِهةِ الأُولى نَفسُها، فالمُهلةُ لا تَختَلِف، والذي اختَلَفَ بِناءُ الفِعل، فهُناكَ حَدَثٌ يَقَعُ بِه، وهُنا حَدَثٌ يَصدُرُ عنه. ود-ع-و صَوتٌ يَخرُجُ من الباطِنِ فيَمتَدُّ مَوصولاً بِطَرَفٍ يُطلَبُ مِنه، والآيةُ تَذكُرُ الامتِدادَ ولا تَذكُرُ الطَّرَف. ثُمَّ جاءَ «ثُبُورًا» مَفعولاً بِه مُنَكَّراً، وث-ب-ر تَبَدُّدٌ دَقيقٌ يَخرُجُ ويَجري فلا يُلَمُّ شَملُه. ففي الكَلِماتِ الثَّلاثِ تَأجيلٌ ونِداءٌ ومَطلوب، ولَيسَ فيها مُنادىً ولا جَواب، وأوَّلُ ما يَملِكُه هذا الفَريقُ في جَوابِه صَوت، وأوَّلُ ما يَطلُبُه بِه أن يَتَفَرَّق.