الانشقاق · الآية 10

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ

«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ»: أربَعُ كَلِماتٍ تُعادُ كما هي

تَبتَدِئُ الجِهةُ الثّانِيةُ بِما ابتَدَأَت بِه الأُولى في فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾، والأداةُ فيها هي هي، والمَوصولُ هو هو، والفِعلُ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه كما كان، والمَفعولُ مُضافٌ إلى صاحِبِه كما كان.

فالكِتابُ مُؤتىً في الجِهَتَينِ جَميعاً، وهو «كِتَابَهُ» فيهِما جَميعاً، لم يُنقَصْ مِنه شَيءٌ ولم يُبَدَّلْ صاحِبُه، ولم يُذكَرْ لَه مُعطٍ في هذه ولا في تِلك، والمِلكُ فيهِما واحِدٌ والإيتاءُ واحِد.

والفَرقُ كُلُّه فيما بَعدُ، وهو كَلِمَتانِ في آخِرِ الآيةِ تُقابِلانِ كَلِمةً واحِدةً هُناك، وعلى هذا المَوضِعِ الواحِدِ من الجُملةِ يُقتَسَمُ المَصيران.

«وَرَاءَ ظَهْرِهِ»: ظَرفٌ بِلا باءٍ تُلصِق

وفي الجِهةِ الأُولى باءٌ في «بِيَمِينِهِ»، وهي حَرفُ إلصاقٍ يَصِلُ المَأخوذَ بِالآخِذ، وفي هذه ظَرفُ مَكانٍ مَنصوبٌ بِلا حَرفِ جَرٍّ أصلاً، وهو «وَرَاءَ ظَهْرِهِ»، فالذي هُناكَ إلصاق، والذي هُنا مَوضِعٌ يُذكَرُ ولا يُوصَلُ بِه صاحِبُه.

و و-ر-ي في أصلِه وَصلٌ مَمدودٌ يَجري مُستَرسِلاً ثُمَّ يَسري إلى ما بَعدَه، ومِنه «وارى» بِمَعنى سَتَرَ فجَعَلَ الشَّيءَ خَلفَ حاجِز، و«تَوارى» بِمَعنى استَتَر. فالوَراءُ ما اتَّصَلَ بِالشَّيءِ من خَلفِه وامتَدَّ بَعدَه، فهو مُتَّصِلٌ بِه ومَحجوبٌ عنه في آنٍ واحِد.

وظ-ه-ر الطَّبَقةُ التي تَغشى الشَّيءَ وتَمتَدُّ على وَجهِه، تَحجُبُ ما تَغشاه ويَليها فَراغٌ مَكشوف، ومِنه «الظَّهر»، وهو الجِهةُ التي يُوَلّيها الإنسانُ ما خَلفَه، فلا يَراها هو ويَراها غَيرُه، ويَستَنِدُ إليها ولا يُبصِرُها. والكِتابُ مُؤتىً في هذه الجِهةِ بِعَينِها، فقد بَلَغَه في المَوضِعِ الذي لا يَبلُغُه بَصَرُه.

وهذا مُنتَهى ما نَطَقَت بِه الآية، فلم تَصِفْ يَداً ولا هَيئةَ تَناوُل، ولم تُبَيِّنْ كَيفَ بَلَغَه ما بَلَغَه من تِلكَ الجِهة، ولم تَذكُرْ شِمالاً، والذي ذَكَرَته إيتاءٌ ومَوضِع، وقد سَكَتَت عمّا بَينَهُما.

والفاصِلةُ في الجِهَتَينِ واحِدةٌ في وَقعِها، وهي هاءٌ مُضافةٌ إلى عُضوٍ من صاحِبِها، يَمينٌ هُناكَ وظَهرٌ هُنا، وهنا سَمعٌ واحِدٌ ومَوضِعانِ من الجَسَد.


حَصيلة

تُعادُ صُدورُ الجِهةِ الأُولى على تَرتيبِها: أداةُ تَفصيل، ومَوصولٌ مُبهَم، وفِعلٌ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وكِتابٌ مُضافٌ إلى صاحِبِه، ثُمَّ يَقَعُ الفَرقُ في آخِرِ الآية، فهُناكَ باءُ إلصاقٍ تَصِلُ المَأخوذَ بِجِهةِ الأخذ، وهُنا ظَرفُ مَكانٍ بِلا حَرف. و و-ر-ي وَصلٌ يَمتَدُّ خَلفَ المَرئيّ، وظ-ه-ر الطَّبَقةُ التي تَغشى الشَّيءَ وتَمتَدُّ على وَجهِه، تَحجُبُ ما تَغشاه ويَليها فَراغٌ مَكشوف، فالكِتابُ بالِغٌ صاحِبَه في المَوضِعِ الذي لا يُبصِرُه مِن نَفسِه، وهو مَع ذلك كِتابُه. ولَيسَ في اللَّفظِ شِمالٌ ولا وَصفٌ لِيَد، والذي فيه إيتاءٌ وَقَعَ، وجِهةٌ سُمِّيَت، وسُكوتٌ عمّا بَينَهُما يُقرَأُ على أنَّه سُكوت.