الأعلى · الآية 2
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«خَلَق»: فِعلٌ بِلا مَفعول، وبابٌ يَنفَتِحُ على كلِّ مَخلوق
الجذرُ خ-ل-ق في العربيّةِ يَدورُ على التَّقديرِ ثُمَّ الإيجادِ على ذلك التَّقدير. ومنه قَولُ العَرَبِ «خَلَقَ النَّعلَ» إذا قَدَّرَها بِيَدِه قَبلَ القَطعِ والخَرز، و«الخَليقَة» الطَّبيعَةُ التي خُلِقَ الإنسانُ عَلَيها. فالخَلقُ في أَصلِ الجذرِ ليس مُجَرَّدَ إخراجٍ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجود، بَل إخراجٌ على هَيئَةٍ مَقصودَة.
وقَطعُ الفِعلِ هُنا بِلا مَفعولٍ مَقصود. لو قَيَّدَ الفِعلُ بِمَفعولٍ، لَأَخرَجَ ما عَداهُ مِنَ التَّعريف. لكنَّه أَجمَلَ، فدَخَلَ كلُّ شَيءٍ في الإجمال. ومَن أَرادَ التَّفصيل، يَجِدُه في الآياتِ التَّالية: المَرعى يَخرُج، الغُثاءُ يَأحوى. الإجمالُ هُنا، والتَّفصيلُ يُفَرِّعُ.
«فَسَوَّى»: التَّناسُبُ يَعقُبُ الإيجاد
الفاءُ تَرتيبٌ بِلا مَهَل. والتَّسوِيَةُ في الجذرِ س-و-ي مُعادَلَةٌ تَجعَلُ الشَّيءَ يَستَقيمُ على قَدرِه. الجَنينُ يُسَوَّى في الرَّحم: تُوزَنُ أعضاؤُه عَلى نِسَبٍ بَينِها. السَّيفُ يُسَوَّى عَلى مِسَنّ: يُجعَلُ حَدُّه مُستَقيماً. والمُسَوّى ما اعتَدَلَت أجزاؤُه فلا يَطغى عُضوٌ على عُضو.
والصِّيغةُ هُنا فَعَّلَ (سَوَّى) بِتَضعيفِ العَين: مُبالَغةٌ في فِعلٍ يَتَناوَلُ كلَّ جُزءٍ مِنَ المَخلوق. ليسَ تَسوِيَةً جامِعَةً مِن خارِج، بَل تَسوِيَةً تَنفُذُ في كلِّ تَفصيل. وفي البَقَرَةِ يَتَكَرَّرُ المَعنى نَفسُه بِلَفظٍ آخَر: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. الخَلقُ يَخرُجُ، ثُمَّ يُسَوَّى عَلى نِسَبٍ تَجعَلُه قائِماً بِنَفسِه.
آيةٌ تَنفَتِحُ على شَلَّالٍ مِنَ الأفعال
هَذِهِ الآيَةُ أُولى أربَعِ آياتٍ تُتابِعُ بَين أفعالٍ مُتَواليَة: خَلَقَ فَسَوَّى، قَدَّرَ فَهَدى، أَخرَجَ المَرعى، جَعَلَهُ غُثاءً أَحوى. شَلّالٌ مِنَ الأفعالِ يَنزِلُ مِنَ الأَعلى دُفعَةً واحِدة. كلُّ فِعلٍ يَفتَحُ بابَ ما يَليه. والقارئ، إذ يَتَتَبَّعُ هذا الشَّلال، يَسمَعُ كَيفَ يَتَنازَلُ الأَعلى إلى كلِّ نُقطَةٍ في الكَون.
والذي خَلَقَ فَسَوَّى لم يَترُكْ مَخلوقاً عَلى تَناسُبٍ مَكسور. ولِذَلكَ فالعالَمُ، في إصغاءِ هذه الآية، يَكتَنِفُ تَوازُناً سابِقاً عَلى مَن يَنظُر فيه. مَن أَدرَكَ هذا التَّوازُنَ سَبَّحَ، ومَن طاشَ عَنه أَنكَر. سَبَّحَ هُو لِأنَّ الأَثَرَ يَدُلُّ، أَنكَرَ هُو لِأَنَّ الذِّهنَ يَتَجاوَزُ الأَثَرَ إلى ما يَريدُه هُو.
حَصيلة
تُعرِّفُ هذه الآيةُ الأعلى لا بذاتِه بل بفعلِه: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ﴾. «خَلَق» من -خ-ل-ق- التقديرُ ثمّ الإيجادُ على ذلك التقدير؛ وجاءَ الفعلُ بلا مفعولٍ مذكور، فدخلَ تحتَه كلُّ مخلوق. الفاءُ في «فَسَوَّى» تترتيبٌ بلا مَهَل: ما بعدَها يعقُبُ ما قبلَها مباشرةً. «سَوَّى» من -س-و-ي- على وزنِ فَعَّلَ بتضعيفٍ يُبالغُ في الفعلِ جعلَ الشيءَ على قَدرٍ يَنبَغي له: لا زيادةَ تكسِرُه ولا نقصَ يتركُه عاجزاً. الخلقُ والتسويةُ حركةٌ واحدةٌ تخرجُ في طرفَين. وهذه الآيةُ أولى أربعٍ تتتابعُ بأفعالٍ متوالية: خلَقَ فسَوَّى، قدَّرَ فهَدى، أخرجَ المَرعى، جعلَه غُثاءً. شلّالٌ من الأفعالِ ينزلُ من الأعلى دفعةً واحدة. ومن اعترفَ بأنّ الأعلى هو الذي خلقَ فسَوَّى عرفَ الأثرَ قبلَ أن يطمعَ في الإحاطةِ بالذات.