الفجر · الآية 7

﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ

«إِرَمَ»: اسمٌ يُعَيَّن بِلا وَصفٍ يَسبِقُه

جاءَت «إِرَمَ» عَلَماً بَدَلاً مِمّا قَبلَه، مَجروراً بِالفَتحةِ، يُعَيِّنُ المَقصودَ تَعييناً ولا يَصِفُه بَعدُ إلّا بِما يَتلوه. والآيةُ تُلقي الاسمَ مُجَرَّداً من قِصّةٍ تَشرَحُه، ثُمَّ تُعَلِّقُ عليه صِفَتَه الوَحيدةَ: «ذاتِ العِماد». فالكلامُ يُمسِكُ السامِعَ عِندَ اسمٍ يَعرِفُه أو يُوشِكُ، ولا يَفتَحُ له بابَ السَّرد، ويَدُلُّه على هَيئَةٍ واحِدةٍ: قَومٌ عُرِفوا بِعِمادِهم.

وفي تَجريدِ الاسمِ من حِكايَتِه بَلاغةٌ: فالمَقصودُ أن تُستَحضَرَ صورةُ القُوّةِ القائِمةِ على عَمَدٍ لِتُوزَنَ بِما يَجيءُ بَعدَها، ولَيسَ المَقصودُ أن يُروى ما كان. فالاسمُ مُقَدِّمةٌ، والصِّفةُ مَوضِعُ الثِّقَل.

«ذاتِ»: نِسبةٌ تُلصِقُ الصِّفةَ بِصاحِبِها

و«ذات» مُؤَنَّثُ «ذو»، تَدُلُّ على صاحِبةِ الشَّيءِ ومُلازِمَتِه، فهي نِسبةٌ تَجعَلُ المَوصوفَ مالِكاً لِما أُضيفَ إليه مُلازَمةً لا تُفارِقُه. وفي «ذاتُ العِماد» صارَ العِمادُ لها وَصفاً ثابِتاً، كأنَّها لا تُعرَفُ إلّا به، قائِمةً على أعمِدَتِها، مَنسوبةً إليها نِسبةَ المالِكِ إلى ما يَملِك.

وهذه النِّسبةُ تَشُدُّ الصِّفةَ شَدّاً: فقد عُدِلَ عن «لها عِماد» على وَجهِ العَرَضِ إلى «ذاتِ العِماد» على وَجهِ اللُّزوم، فالعِمادُ عُنوانُها الذي تُذكَرُ به، وليسَ مَتاعاً عابِراً. وهذا أَبلَغُ في تَصويرِ رُسوخِها الظاهِر، وأَبلَغُ من بَعدُ في تَصويرِ ما حَلَّ بِراسِخٍ كان يُحسَبُ لا يَزول.

«العِماد»: ما يُرفَعُ به البِناءُ فيَستَنِد

و«العِماد» من ع-م-د: ما يُقامُ عليه الشَّيءُ فيَستَنِدُ إليه ولا يَسقُط. ومِنه العَمودُ القائِمُ يَحمِلُ ما فَوقَه، و«عَمَدتُ الشَّيءَ» إذا أَقَمتُه ودَعَمتُه، و«العُمدةُ» لِما يُرجَعُ إليه ويُتَّكَأُ عليه. فالعِمادُ في هذا الأصلِ قِوامُ القائِم، ولولاه لانهَدَّ ما عَلا.

ووَصفُ القَومِ بِأنَّهم «ذاتُ العِماد» يَرسُمُهم في أعلى ما يَبلُغُ البِناءُ والبَأسُ، رِفعةً مَحمولةً على أعمِدةٍ تَشهَدُ لها. وهذه الرِّفعةُ نَفسُها مَوضِعُ العِبرةِ فيما يَلي، إذ تَقولُ الآياتُ بَعدَها إنَّها لم تُخلَق مِثلُها في البِلاد، ثُمَّ يَنزِلُ عليها سَوطُ العَذاب. فالعِمادُ الذي رُفِعَت به هو العِمادُ الذي تُذكَرُ بِسُقوطِ ما حَمَل.


حَصيلة

أُلقِيَ في الآيةِ اسمٌ مُعَيَّنٌ «إِرَمَ» بَدَلاً، فأُحضِرَت به صورةُ قَومٍ بِلا سَرد، ثُمَّ عُلِّقَت عليهم صِفَتُهمُ الوَحيدةُ. و«ذاتِ» مُؤَنَّثُ «ذو»، وهي نِسبةُ مُلازَمةٍ تَجعَلُ العِمادَ عُنواناً لها لا عَرَضاً فيها. و«العِماد» من ع-م-د: ما يُقامُ عليه البِناءُ فيَستَنِدُ ولا يَسقُط، وهو قِوامُ القائِم. فالآيةُ تُصَوِّرُ قُوّةً مَرفوعةً على أعمِدةٍ، راسِخةً في الظاهِر مَنسوبةً إلى رُسوخِها، تَمهيداً لِما بَعدَها، وهو أنَّ ما رُفِعَ على عِمادٍ يَبقى مَوقوفاً على إذنِ مَن رَفَعَه، فإذا زالَ الإذنُ زالَ العِماد.