الفجر · الآية 6

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ

«أَلَمْ تَرَ»: استِفهامٌ يَستَدعي رُؤيَةً قائِمَة

افتُتِحَتِ الآيةُ بِاستِفهامٍ مَنفيٍّ: «أَلَمْ تَرَ»، وهو في الكلامِ العَربيِّ تَنبيهٌ على أمرٍ حاضِرٍ في العِلمِ يُرادُ إحضارُه في النَّظَر، ولا يُرادُ بِه سُؤالٌ يَنتَظِرُ جَواباً مَجهولاً. والرُّؤيَةُ مادَّتُها ر-أ-ي، وهي إدراكٌ يَتَّصِلُ بِالمَرئيّ فيَنفُذُ إليه، رُؤيَةَ العَينِ أو رُؤيَةَ القَلب. و«أَلَمْ تَرَ» تَقولُ للمُخاطَبِ إنَّ ما سَيَأتي بَيِّنٌ بَيانَ المَشهود، فهو مِمّا يُذَكَّرُ بِه ويُوقَفُ عليه، ولم يُسَقْ إخباراً مُبتَدَأً.

فالعِبارةُ تَنقُلُ السامِعَ من مَوقِفِ المُتَلَقّي إلى مَوقِفِ الشاهِد، فكأنَّه يُدعى إلى رُؤيَةِ ما كان، ولا يُلقى إليه خَبَرٌ يَسمَعُه. وهذا التَّوجيهُ يُهَيِّئُ ما بَعدَه، إذ تَلي الآيةَ أسماءُ مَن جَرى عليهِم الفِعلُ، فيَصيرُ مَجراهُم مَشهَداً مَعروضاً على البَصيرةِ، لا حِكايةً تُروى عن بُعد.

«كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ»: سُؤالٌ عن هَيئَةِ الفِعلِ لا عن وُقوعِه

و«كَيفَ» سُؤالٌ عن الهَيئَةِ والحال، لا عن أصلِ الوُقوع، فالمَسؤولُ عنه في الآيةِ كَيفَ فَعَلَ رَبُّك، على أيِّ صورةٍ جَرى الفِعلُ وبِأيِّ مَجرى، وأمّا هل فَعَلَ فخارِجٌ عن السُّؤال. والفِعلُ من ف-ع-ل، ويَدُلُّ على إحداثِ أثَرٍ في شَيءٍ آخَر، أثَرٍ يَظهَرُ في المَفعولِ به ويُنسَبُ إلى الفاعِل، فالفِعلُ هنا واقِعٌ بِغَيرِه مُؤَثِّرٌ فيه، تَظهَرُ هَيئَتُه على المَفعولِ ظُهوراً يُرى.

وإسنادُ الفِعلِ إلى «رَبِّك» يَضَعُه في بابِ التَّربيَةِ والتَّدبير، والجِذرُ ر-ب-ب يَجمَعُ المِلكَ والإصلاحَ والقيامَ على الشَّيءِ حتى يَبلُغَ تَمامَه، فالرَّبُّ مالِكٌ يُدَبِّرُ ما مَلَك، يُنشِئُه ويَسوسُه ويَأخُذُه إذا شاء. وما جَرى على المَذكورينَ بَعدُ فِعلُ مُدَبِّرٍ يَملِكُ ويُقَدِّر، وليسَ حادِثاً عارِضاً. وإضافَتُه إلى الكافِ في «رَبُّكَ» تُقَرِّبُ الأمرَ من المُخاطَب، فالذي فَعَلَ بِأُولئِكَ رَبُّ المُخاطَبِ نَفسُه، وليسَ رَبّاً غَريباً عَنه.

«بِعادٍ»: قَومٌ مَضَوا جُعِلوا عِبرَةً مَنظورة

و«عادٍ» اسمُ قَومٍ سَمّاهُمُ الكِتابُ هاهُنا، فجُعِلوا أوَّلَ ما يُعرَضُ على نَظَرِ المُخاطَب. والباءُ في «بِعادٍ» باءُ التَّعديَة، فالفِعلُ وَقَعَ بِهِم وجَرى عليهِم وانتَهى إليهِم. ولم تَذكُرِ الآيةُ هاهُنا تَفصيلَ ما جَرى، واكتَفَت بِأن تُقيمَهُم مَشهَداً: قَومٌ كانوا ثُمَّ فُعِلَ بِهِم، فصارَ مَصيرُهُم جَواباً قائِماً عن «كَيفَ فَعَلَ رَبُّك».

وهو اسمُ قَومٍ ماضٍ يُشارُ إليه من بَعيدِ الزَّمَن، والآيةُ تَفتَحُ بِهِم سِلسِلَة، يَتلوهُم في الآياتِ بَعدَهُم آخَرونَ جَرى عليهِم مِثلُ ذلك. فعادٌ هاهُنا مَطلَعُ عَرض، وأوَّلُ شاهِدٍ في صَفٍّ من الشُّهود.


حَصيلة

افتُتِحَتِ الآيةُ بِاستِفهامٍ مَنفيٍّ «أَلَمْ تَرَ» (ر-أ-ي)، وهو إدراكٌ يَنفُذُ إلى المَرئيِّ، فيُنقَلُ بِه المُخاطَبُ من سامِعٍ إلى شاهِد. ثُمَّ «كَيفَ فَعَلَ رَبُّك»، وهو سُؤالٌ عن هَيئَةِ الفِعلِ لا عن وُقوعِه، والفِعلُ (ف-ع-ل) أثَرٌ يَظهَرُ في المَفعولِ ويُنسَبُ إلى فاعِلِه، وقد أُسنِدَ إلى الرَّبِّ (ر-ب-ب) المالِكِ المُدَبِّرِ القائِمِ على ما مَلَك. ثُمَّ «بِعادٍ»، قَومٌ مَضَوا جُعِلوا أوَّلَ مَشهَدٍ يُعرَضُ على البَصيرَة، والباءُ تُوصِلُ الفِعلَ إليهِم. فالآيةُ تَدعو إلى نَظَرٍ في مَجرى قَومٍ سابِقينَ بِوَصفِه فِعلَ رَبٍّ مُدَبِّرٍ يَملِكُ ويُقَدِّر، وتُهَيِّئُ بِه ما يَتلوها من شُهودٍ آخَرين.