الضحى · الآية 5

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ

«وَلَسَوفَ»: فَتحُ المُستَقبَلِ على آخِرِه

«سَوفَ» في العَربيّةِ ليست مُجَرَّدَ علامَةٍ على المُستَقبَل. بَينَها وبَين «السين» المُختَصَرَة فَرقٌ دَقيق. السينُ تَدُلُّ على مُستَقبَلٍ قَريب، و«سَوفَ» تَدُلُّ على مُستَقبَلٍ مَفتوحٍ على مَداهُ كلِّه. الذي يَقولُ «سأَفعَل» يَعني قَريباً، والذي يَقولُ «سَوفَ أَفعَل» يَفتَحُ المَدى ولا يَحصُرُه. السورةُ تَختارُ هذه الصيغةَ تَحديداً.

وحين تُضافُ إليها لامُ الابتِداءِ والتَّأكيدِ كانَ المَعنى: «وإنّه لَفي مَدى المُستَقبَلِ كلِّه يُعطيك». لا يَنتَهي العَطاءُ في وَقتٍ مَعلوم، بَل يَستَمِرُّ ما دامَ المَدى مَفتوحاً. ومَدى الذي رَبَّ العالَمين مَدى لا يَنفَد.

«يُعطيكَ»: فِعلٌ مُتَجَدِّدٌ، لا عَطيَّةٌ ساكِنَة

الجِذرُ ع-ط-و يَدورُ على حَركَةِ يَدٍ تَقبِضُ شيئاً ثمّ تَبسُطُه ثمّ تُسَلِّمُه. النَّواةُ عط قَبضٌ يَنفَتِح، شِدَّةٌ تَنبَسِطُ في انتِشار، ثمّ و تَصِلُ هذا الانبِساطَ بِمَن يَستَقبِلُه. ولذلك كانَ العَطاءُ في العَربيّةِ ليس مُجَرَّدَ الإهداء، بَل المَدّ الفِعليّ من جِهَةِ المُعطي إلى جِهَةِ المُعطى. الفِعلُ يَستَلزِمُ يَدَين، يَدَ تَبسُطُ وَيَدَ تَستَقبِل.

والصِّيغَةُ في الآيةِ مُضارِعَة: «يُعطيك». لا «أَعطاك» في الماضي كَما في إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ولا «سَيُعطيك» في صيغةِ المَرَّةِ الواحِدَة، بَل «يُعطيك» في صيغةِ التَّجَدُّد. كلَّما اقتَضى المَوضِعُ عَطاءً جاءَ العَطاء. السورةُ تَفتَحُ على القارئِ سُلسِلَةً من المَواقِفِ التي يَنزِلُ فيها العَطاءُ في وَقتِه، لا عَطاءً واحداً يُختَصَرُ فيه كلُّ ما يَأتي.

والمُخاطَبُ في «يُعطيكَ» مَنفَرِدٌ بالكافِ. الذي تَلَقّى الكَوثرَ في سورةٍ أُخرى، يَتَلَقّى هنا عَطاءَ مَدًى. السورتانِ تَتَكامَلانِ بُنيَةً: تِلكَ تَختَصِرُ كلَّ العَطاءِ في كَلِمَةٍ واحِدَة (الكَوثَر)، وهذه تَفتَحُ هذا الكَوثَرَ على مَدًى زَمَنيّ. الكَوثرُ يَتَفَرَّعُ، والآيةُ هنا تُسَمّي تَفَرُّعَه.

«فَتَرضى»: مَوضِعُ النَّفسِ التي اطمَأنَّت إلى عَطاءِها

الفاءُ في «فَتَرضى» فاءُ التَّعقيب: العَطاءُ يَتَوالى في الزَّمَن، ثمّ يَأتي بَعدَه الرِّضى مُرَتَّباً عَلَيه. ليس الرِّضى شَرطاً للعَطاء، بَل ثَمَرَتَه. كلُّ عَطاءٍ يَنزِلُ في مَوضِعِه يَترُكُ في القَلبِ شَيئاً من الرِّضى، حَتى يَجتَمِعَ من الأَجزاءِ كلٌّ مُكتَمِل.

والجِذرُ ر-ض-ي يَحمِلُ معنى استِرسالٍ يَتَكَثَّفُ بِالضَّغطِ ثمّ يَتَّصِلُ في حالَةٍ دائمَة. ليس الرِّضى فَرَحاً عابِراً يُغلِبُ النَّفسَ ساعَةً ثمّ يَنفَكّ. هو قَبولٌ يَستَقِرُّ ويَصيرُ صورَةً للنَّفسِ نَفسِها. النَّفسُ التي رَضِيَت لا تَعودُ تَطلُبُ ما لم تُعطَ، لأنَّ ما أُعطِيَت كَفاها.

والصِّيغَةُ هنا «تَرضى» في المُضارِعِ المُسنَدِ إلى المُخاطَب: حَركَةٌ تَتَوالى في باطِنِك أَنت. ليس «يُرضِيكَ رَبُّك»، وإن كانَ المَعنى يَستَلزِمُه، بَل «تَرضى أنت». السورةُ تَترُكُ الفاعِلَ لِلمُخاطَب، فيَتَلَقّى العَطاءَ ويَستَوي على رِضاه. الرِّضى نَتيجَةٌ لِلعَطاءِ النازِل، والمَوضِعُ الذي يَستَقِرُّ فيه هو القَلبُ الذي تَلَقّى.


حَصيلة

الوَعدُ يَتَوَسَّعُ من «خَيرٌ» إلى «كَثير». «وَلَسَوفَ يُعطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى» بِنَفسِ التَّأكيد المُضاعَف اللامُ وسَوف. الجِذرُ ع-ط-و امتِدادٌ يُوصِلُ الشَّيءَ إلى يَدِ مَن يَنتَظِر. الجِذرُ ر-ض-و: قَبولٌ يَستَقِرُّ ويَصيرُ حالَةً دائِمَة. الرِّضا ليس مُجَرَّدَ قَبولٍ لِعَطاء، بل حالٌ تَستَوي فيها النَّفسُ. والفاءُ في «فَتَرضى» تَجعَلُ الرِّضا أَثَراً مُباشِراً للعَطاء: حِينَ يُعطيكَ تَرضى.