الضحى · الآية 6

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ

«أَلَم يَجِدكَ»: استِفهامٌ يَستَدعي شَهادَةَ المُخاطَب

صيغةُ «أَلَم» في الكتابِ تَتَكَرَّرُ حَيثُ يُرادُ تَثبيتُ القَلبِ على نِعمةٍ قد وُهِبَت، والمُتَكَلِّمُ هُنا لا يَستَفهِمُ عن مَجهول، وإنّما يوقِفُ المُخاطَبَ أمامَ نَفسِه ويَدعوهُ إلى النَّظَر. وفي السّورةِ المُجاوِرةِ تُستَعمَلُ الصّيغةُ نَفسُها: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. فالسُّؤالُ يَدُلُّ على الجَوابِ المُقَرَّر، ويَترُكُ لِلمُخاطَبِ أن يَنطِقَ بِه في باطِنِه.

والفِعلُ «يَجِد» من و-ج-د، ويَدُلُّ في الكَلامِ العَرَبيِّ على لِقاءٍ يَتَحَقَّق، ومِنه «وَجَدَ ضالَّتَه» إذا لَقِيَها في مَوضِعِها، و«وَجَدتُ في نَفسي شَيئاً» إذا حَلَّ بِها أمرٌ ثَبَت. فالوُجودُ لِقاءٌ مَلموسٌ يَتَجَمَّعُ في مَوضِع، وهو غَيرُ التَّخَيُّلِ والتَّوَقُّع. والفِعلُ في الآيةِ مُسنَدٌ إلى الإلهِ ضِمناً، والفاعِلُ مُضمَرٌ يَعودُ على الرَّبِّ في الآياتِ السّابِقة، والمَعنى أنَّ الذي يُلازِمُ نُمُوَّ المُخاطَبِ لَقِيَه في مَوضِعِ يُتمِه.

«يَتيماً»: انفِرادٌ بَعدَ خَتمِ الصِّلَةِ الحامِيَة

ومَدارُ ي-ت-م في الكَلامِ العَرَبيِّ على انفِرادٍ تامٍّ بَعدَ انقِطاعِ الصِّلة: الياءُ امتِدادٌ وسَرَيان، والتّاءُ تَمامٌ لَطيف، فإذا اجتَمَعَتا كانَ في النَّواةِ امتِدادُ فَردٍ تامّ، ثُمَّ تَأتي الميمُ بِشَحنةِ الإحاطةِ والخَتم، فاليُتمُ في حُروفِه انفِرادُ الفَردِ بِنَفسِه بَعدَ خَتمِ الصِّلةِ الحامِية. ومن هُنا سُمِّيَتِ الدُّرّةُ الفَريدةُ التي لا نَظيرَ لَها «اليَتيمة»، فاليُتمُ في أصلِه صورةُ الكائِنِ الفَريدِ الذي لا يَستَنِدُ إلى ما يُماثِلُه، زيادةً على فَقدِ المُعيل.

وأوثِرَ التَّنكيرُ في «يَتيماً» على «اليَتيم»، فالانفِرادُ مُطلَقٌ غَيرُ مُتَعَلِّقٍ بِظَرفٍ بِعَينِه، وكُلُّ يُتمٍ في حَياةِ المُخاطَبِ يَدخُلُ فيه: فَقدُ والِد، وفَقدُ صَديق، وفَقدُ مَوضِعٍ كانَ يَأوي إلَيه، وفَقدُ بِدايةٍ كانَ يَتَعَهَّدُها. وكُلُّ فَقدٍ يَترُكُ الإنسانَ وَحيداً يُسَمّى في الجِذرِ يُتماً، وكُلُّه داخِلٌ في الذِّكرى التي تَستَدعيها الآية.

«فَآوى»: المَوضِعُ الذي يَأوي إليه المُنفَرِد

والفاءُ في «فَآوى» لِلتَّعقيبِ السَّريع، فالوُجودُ يَأتي أوَّلاً، والإيواءُ يَلحَقُ بِه بِغَيرِ فاصِل، والمَوجودُ لا يُترَكُ على حالِه بَعدَ أن وُجِد، ويَنزِلُ عَلَيه فِعلٌ يُغَيِّرُ مَوضِعَه.

وأ-و-ي في العَرَبيّةِ يَدورُ على مَوضِعٍ يَتَجَمَّعُ فيه ما كانَ مُتَفَرِّقاً، يُقالُ «أَوى إلى البَيتِ» أي دَخَلَ فيه واستَقَرّ، و«المَأوى» المَوضِعُ الذي يُلجَأُ إلَيه. والإيواءُ في صيغةِ الإفعالِ المَزيدةِ يَدُلُّ على جَعلِ المَوجودِ في حالِ الأَوي، أي إنزالِه في مَوضِعٍ يَستَقِرُّ فيه ويَأمَن، فهو تَوضيعٌ مَقصود، ولا يَقِفُ عِندَ السُّكنى.

ولم تُسَمِّ الآيةُ المَوضِع، فلا يَرِدُ فيها «آواكَ في بَيتِ كذا»، وقد تَرَكَتِ الإيواءَ مُجَرَّداً عن التَّعيين. وكما أنَّ اليُتمَ نَكِرةٌ تَستَوعِبُ كُلَّ يُتم، فكذلك الإيواءُ مُطلَقٌ يَستَوعِبُ كُلَّ مَأوىً نَزَلَ على المُخاطَبِ بَعدَ يُتمِه. ومَن قَرَأَ الآيةَ مُصغِياً عَرَفَ أنَّ الإيواءَ كانَ يَعمَلُ في حَياتِه في مَواضِعَ كَثيرة، وإن لم يَكُن كُلٌّ مِنها قد سُمِّيَ في حينِه.


حَصيلة

تَستَحضِرُ الآياتُ الثَّلاثُ ما تَلَقّاه المُخاطَبُ في ماضيه، والاستِفهامُ في «أَلَم يَجِدك» تَقريرٌ في صيغةِ سُؤال، أي كَشفٌ لِما قد كان. وو-ج-د اللِّقاءُ بِشَيءٍ بَعدَ بَحث، و«يَتيماً» من ي-ت-م، وهو انفِرادٌ بِلا كافِل، و«فَآوى» من أ-و-ي، وهو الانضِمامُ إلى مَأوىً يَحمي. والقِصّةُ تَبدَأُ من أصعَبِ نُقطةٍ في الضَّعف، لِتُبَيِّنَ أنَّ الإيواءَ جاءَ من ذاتٍ لم تَترُكْه قَطّ.