الشرح · الآية 3

﴿الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ

«الذي أَنقَضَ»: الصِّفَةُ تَكشِفُ مَقدارَ الفِعل

و«الذي» اسمٌ مَوصولٌ يَعودُ إلى الوِزرِ في الآيةِ السّابِقة، والصِّلةُ بَعدَه تَصِفُ هذا الوِزرَ بِأنَّه «أَنقَضَ ظَهرَك». ولو جاءَ مَكانَ الآيةِ «الذي ثَقُلَ عَلَيك» لَكانَ المَعنى عامّاً، وقد عُدِلَ عنه إلى كَلِمةٍ تَحمِلُ صَوتَ الفِعلِ نَفسِه: «أَنقَضَ»، وهو فِعلٌ يَدُلُّ على ثِقَلٍ يُسمَع.

والاسمُ المَوصولُ يَفعَلُ هُنا فِعلاً بَلاغِيّاً، فالنَّصُّ لم يَكتَفِ بِتَسمِيةِ الوِزر، وتَوَقَّفَ عِندَه يَصِفُه، كأنَّ الآيةَ تَلتَفِتُ إلى مَن وُضِعَ عَنه الحِملُ لِتُريَه ما الذي رُفِع: ثِقَلاً كانَ يَفعَلُ في عِظامِه فِعلاً مَسموعاً، وهو غَيرُ الثِّقَلِ العابِرِ الذي يَنساهُ المَرءُ بَعدَ يَوم. والذي عَرَفَ مِقدارَ الحِملِ المَرفوعِ عَرَفَ مِقدارَ مَن رَفَعَه.

والصِّلةُ تَكشِفُ مِقدارَ ما كان: ثِقَلٌ يُنقِضُ الظَّهر، لا ثِقَلٌ يُحتَمَلُ بِيُسر. والوَصفُ يَأتي بَعدَ الوَضعِ في الآيةِ السّابِقة، فيَكونُ تَعريفاً لا تَوبيخاً، والمَعنى أنَّه لو بَقِيَ ما حُمِّلَ لأنقَضَ الظَّهر، غَيرَ أنَّه قد وُضِع. ومَن عَرَفَ مِقدارَ الحِملِ المَرفوعِ عَرَفَ مِقدارَ مَن رَفَعَه.

«أَنقَضَ»: الفِعلُ الذي يَحمِلُ صَوتَه في حُروفِه

وفي صَوتِ الكَلِمةِ عَجَب: فـ«أَنقَضَ» فيها «نَقّ»، و«نَقَّ» في العَرَبيّةِ صَوتٌ يُسمَعُ من شَيءٍ يَنفَكُّ تَحتَ ضَغط، كصَريرِ البابِ، وأنينِ الحَجَرِ تَحتَ الثِّقَل، وصَوتِ الرَّحلِ القَديمِ تَحتَ الرّاكِب، وكُلُّها أصواتٌ يَجمَعُها الحَرفانِ «نَقّ». فكأنَّ النَّصَّ بِاختِيارِ هذا الفِعلِ بِالذّاتِ يَجعَلُ القارِئَ يَسمَعُ ما حَدَث، فَوقَ أن يَفهَمَه.

ووَزنُ «أَفعَل» في «أَنقَضَ» يَجعَلُ الفاعِلَ هو الحِمل، والمَفعولَ هو الظَّهر، فالحِملُ هو الذي أَنقَض، والظَّهرُ هو الذي أُنقِض، والمَوضِعُ المُخاطَبُ في الآيةِ ضَحِيّةٌ لا فاعِل. والإنقاضُ في اللِّسانِ تَفكيكُ ما كانَ مُحكَماً، والظَّهرُ مُحكَمٌ مُتَلاحِمُ العِظام، فإذا وُصِفَ بِأنَّه «أُنقِضَ» فالمَعنى أنَّ تَلاحُمَه بَدَأَ يَنفَكّ، وهذا غايةُ الثِّقَل.

ومَن قَرَأَ السّورةَ مُتَتابِعةً لَحَظَ فيها تَدَرُّجاً: ضيقٌ في الصَّدر، ثُمَّ حِملٌ على الظَّهر، ثُمَّ صَوتُ ظَهرٍ يَنفَكّ، وهي ثَلاثُ صُوَرٍ كُلُّها على الجِسمِ نَفسِه. والآياتُ الأُولى الثَّلاثُ تَكشِفُ المَوضِعَ ثُمَّ تُزيلُه ثُمَّ تَصِفُ ما كانَ يَفعَل، وكأنَّ الآيةَ الثّالِثةَ تَأتي بَعدَ الإراحةِ لِتُرِيَ المُراحَ ما كانَ يَحمِلُه، لِلتَّعريفِ دونَ التَّوبيخ، ومَن لم يَعرِفِ الحِملَ لم يَعرِفْ فَضلَ الرّاحة.

«ظَهرَك»: مَوضِعُ الحَملِ كلُّه

والظَّهرُ في الكَلامِ العَرَبيِّ مَوضِعُ الحَمل، فكُلُّ ما يُحمَلُ يُحمَلُ على الظَّهر: الإبِلُ تُحَمِّلُ ظُهورَها أثقالَ السَّفَر، والإنسانُ يَحمِلُ المَتاعَ على ظَهرِه إذا فَقَدَ الدّابّة. ولِذلك يُقالُ في العَرَبيّةِ «أَلقى ما على ظَهرِه» بِمَعنى تَخَلّى عن أعبائِه، فالظَّهرُ مَجازُ الحَملِ كُلِّه.

ويُضافُ الظَّهرُ في الكَلامِ إلى أكثَرَ من مَعنى، فـ«الظَّهيرُ» مَن يَكونُ ظَهراً لِغَيرِه يَستَنِدُ إلَيه، و«ظاهَرَ على فُلانٍ» أعانَ عَلَيه بِكَونِه ظَهراً لِخَصمِه، فالظَّهرُ مَوضِعُ الإسنادِ والحَمل. والآيةُ تَستَخدِمُ هذا المَجازَ بِدِقّة: كانَ الوِزرُ على ظَهرِ المُخاطَب، فلمّا وُضِعَ أُعينَ ظَهرُه، والمُعينُ هو نَفسُه الذي يَتَكَلَّمُ في الآيةِ بِصيغةِ «نا».

والآيةُ تَستَخدِمُ هذا المَجازَ بِدِقّة: كانَ الوِزرُ على ظَهرِ المُخاطَب، فلمّا وُضِعَ أُعينَ ظَهرُه على ما كانَ يَحمِلُه، وقد وُضِعَ الحِملُ كُلُّه عَنه، ولم يُسنَدْ إلى الظَّهرِ سَنَدٌ يُشارِكُه الثِّقَل. والمُعينُ هو نَفسُه الذي يَتَكَلَّمُ في الآيةِ بِصيغةِ «نا»، فالإعانةُ جاءَت من مَوضِعِها الأعلى، لا من سَنَدٍ يَحمِلُ بِجانِب.


حَصيلة

يَكتَمِلُ التَّوصيفُ في ثَلاثِ حَرَكات: «الذي أَنقَضَ ظَهرَك». والجِذرُ ن-ق-ض الكَسرُ الذي يُحدِثُ صَوتاً، و«أَنقَضَ ظَهرَك» أي كادَ يَكسِرُ ظَهرَ المُخاطَبِ من ثِقَلِه. والصّورةُ الجَسَدِيّةُ تُعَبِّرُ عن واقِعٍ باطِنِيٍّ حَقيقِيّ، هو أنَّ الحِملَ الذي كانَ يَنوءُ بِه المُخاطَبُ بَلَغَ من الثِّقَلِ ما كادَ يُصَوِّتُ في ظَهرِه، والذي وَضَعَ هذا الحِملَ يَعرِفُ مَوضِعَه.