البقرة · الآية 145

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ

وَلَئِنْ أَتَيْتَ... بِكُلِّ آيَةٍ: فَرضيّةٌ استِنفاديّةٌ تَقطَعُ طَريقَ التَّفاوُض

افتُتِحَتِ الآيةُ بِلامِ القَسَمِ في لَئِنْ لِتَضَعَ الفَرضيّةَ في أقصى احتِمالاتِها، أي: حتّى لو أتَيتَ أهلَ الكِتابِ بِكُلِّ آية. وكُلِّ هنا من ألفاظِ الاستِغراقِ الكُلِّيّ، تُغلِقُ أيَّ ثُغرةٍ في الاستِدلال، فلا تَبقى بَعدَها حُجّةٌ إضافيّةٌ تُقال. ومَعَ استِنفادِ كُلِّ الدَّلائلِ يَأتي الجَوابُ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ بِصيغةِ النَّفيِ المُطلَقِ في الماضي، والنَّفيُ بِـ«ما» مَعَ الفِعلِ الماضي في جَوابِ القَسَمِ يُفيدُ قَطعاً تامّاً في المُستَقبَلِ كأنّه أمرٌ مَقضِيّ. فالآيةُ تَنقُلُ المَسألةَ من خانةِ الإقناعِ بِالدَّليلِ إلى خانةِ الانتِماءِ المُغلَقِ على نَفسِه، وما لم يَتَغَيَّرِ الانتِماءُ لن يَعمَلَ أيُّ دَليل.

ثَلاثُ نَفيَاتٍ مُتَتالية: بناءٌ مُثَلَّثُ الأطرافِ يَفضَحُ وَظيفةَ القِبلة

وبَنَتِ الآيةُ ثَلاثَ نَفيَاتٍ في صَفٍّ واحِد: مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ. جاءَتِ الأُولى بِالفِعلِ الماضي نَفياً لِوُقوعِ الاتِّباع، والثّانيةُ والثّالِثةُ بِصيغةِ الاسمِ بِتَابِعٍ مَعَ الباءِ الزّائدةِ لِتَأكيدِ النَّفي. والاسمُ يَدُلُّ على الثُّبوت، والمَعنى: أنتَ لَستَ تابِعاً في أصلِ تَكوينِكَ لا في لَحظةٍ عابِرة. وهذا البِناءُ المُثَلَّثُ يَفضَحُ وَظيفةَ القِبلةِ عِندَ الجَماعاتِ المُنغَلِقة، فهي عِندَهُم عَلامةُ وَلاءٍ لا مَحَلُّ حِوار، ولذلك حتّى الفِرَقُ داخِلَ أهلِ الكِتابِ نَفسِها لا يَتَّبِعُ بَعضُها قِبلةَ بَعض. والجَماعاتُ التي تَجعَلُ الشَّعيرةَ هُوِيّةً تَحتَفِظُ لِكُلِّ فِرقةٍ بِشَعيرَتِها المُمَيِّزة، وإلّا فَقَدَت مُبَرِّرَ وُجودِها.

(ت ب ع): الاتِّباعُ سَيرٌ في رِكابِ مَتبُوعٍ مَعلوم، لا اصطِفافٌ جانِبيّ

و(ت ب ع) في نَواتِها السَّيرُ خَلفَ دَليلٍ في نَفسِ الاتِّجاه. والاتِّباعُ هنا بِصيغةِ افتِعالٍ من (ت ب ع) يُضَخِّمُ مَعنى التَّفَرُّدِ بِالمَتبوع، والمُتَّبِعُ لا يَمشي إلى جانِبِ دَليلِه، فمَوضِعُه خَلفَه، ويَلتَزِمُ مَوقِعَه دائماً. ونَفيُ الاتِّباعِ عن كُلِّ فَريقٍ تِجاهَ الآخَرِ نَفيٌ لِلاعتِرافِ بِمَرجِعيّتِه، ومَعناه أنّ أحَداً لا يَضَعُ نَفسَه خَلفَ الآخَر. وبِهذا يُفَسَّرُ العُدولُ عن «ما دَخَلوا في قِبلَتِك» إلى صيغةِ الاتِّباع، فالاتِّباعُ هو المَوقِعُ الذي يَرفُضُه كُلُّ فَريقٍ عن الآخَرِ لأنّه اعتِرافٌ بِأسبَقيّةِ المَتبوع. والمَطلوبُ في تَحويلِ القِبلةِ قَبولُ مَوقِعٍ تابِعٍ لِقِبلةِ المُخاطَب، ولا يَقِفُ عِندَ تَغييرِ جِهة، وهذا ما تَأبى أنفُسُهُم قَبولَه.

(ه و ي) في مُقابَلةِ (ع ل م): الهُبوطُ بِلا مَركَزٍ في مُقابَلةِ الارتِفاعِ الثَّابِت

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ: مُقابَلةٌ جَذريّةٌ بَينَ (ه و ي) و(ع ل م). و(ه و ي) في نَواتِها فَراغٌ يَمتَدُّ فيَسحَبُ إلى أسفَل، ومنها الهَواءُ والهاوِيةُ والهَوى، وكُلُّها حَرَكةُ انحِدارٍ بِلا قَرار. و(ع ل م) ظُهورٌ من عُمقٍ يَعلو ويَستَقِرّ، ومنها العَلامةُ والعَلَم. فالمُتَقابِلَتانِ جِهَتانِ مُتَعاكِسَتانِ في حَرفِهِما: الهَوى يَسحَبُ إلى أسفَلَ حَيثُ لا مَركَز، والعِلمُ يَرتَفِعُ إلى مَوضِعٍ عالٍ يُستَدَلُّ بِه. وقَيدُ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يَضَعُ الشَّرطَ في أشَدِّ صُوَرِه، والعِلمُ فيه حاضِرٌ ومُستَقِرّ، فالاختيارُ واقِعٌ بَينَ عِلمٍ حاضِرٍ وهَوىً مَسموع، وليسَ بَينَ عِلمَين.

إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ: خِطابُ اللَّفظِ لِلمُخاطَب، وخِطابُ المَعنى لِلمُتَّبِعين

وخُتِمَ الجَوابُ بِثَلاثةِ مُؤَكِّدات: إِنَّ، ولامِ القَسَمِ في لَّمِنَ، وحَرفِ إِذًا الرّابِطِ لِلجَوابِ بِسَبَبِه. ووُجِّهَ الخِطابُ إلى المُخاطَبِ بِصيغةِ الشَّرط، لكنّ مَضمونَه مُوَجَّهٌ إلى مَن حَولَه، فالآيةُ إذَن تَجري على ما في كَلامِ العَرَبِ «إيّاكِ أعني واسمَعي يا جارة»، تَستَنطِقُ المُخاطَبَ لِتُفهِمَ مَن حَولَه. و(ظ ل م) في نَواتِها تَغطيةٌ كَثيفةٌ تَمتَدُّ وتَلتَصِق، فالظُّلمُ هنا تَغطيةُ العِلمِ المُستَقِرِّ بِهَوىً مُنحَدِر، ووَضعُ الحَقِّ في مَوقِعٍ لا يَليقُ بِه. فمَن رَأى العِلمَ ثُمَّ تَبِعَ الهَوى فقد غَطّى ما كانَ ظاهِراً بِما يَسحَبُه إلى أسفَل، وهذا أشَدُّ صُوَرِ الظُّلمِ لأنّه ظُلمٌ بَعدَ إحاطة، لا ظُلمٌ من جَهل.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والقِبلةُ في كَلِمةِ الجَماعاتِ المُغلَقةِ عَلامةُ انتِماءٍ لا مَحَلُّ اقتِناع، ولذلك لا تَنتَقِلُ الفِرَقُ بَينَها، ولا تَتَّبِعُ الدَّليلَ مَنِ انتَمَت لِلهَوى، فالحَدُّ الفاصِلُ بَينَ الهادي والمُنقَلِبِ اختيارُ العِلمِ المُرتَفِعِ على الهَوى المُنحَدِر.


حَصيلة

افتُتِحَتِ الآيةُ بِلامِ القَسَمِ في وَلَئِنْ أَتَيْتَ﴾، ثُمَّ بِفَرضيّةٍ استِنفاديّةٍ في بِكُلِّ آيَةٍ﴾ تُغلِقُ كُلَّ ثُغرةٍ في الاستِدلالِ وتَنقُلُ المَسألةَ من الإقناعِ إلى الانتِماءِ المُغلَقِ على نَفسِه. وتَبني الآيةُ بَعدَها ثَلاثَ نَفيَاتٍ مُتَتالِية: مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ بِالفِعلِ الماضي نَفياً قاطِعاً، ثُمَّ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ بِصيغةِ الاسمِ مَعَ باءِ التَّأكيدِ دَلالةً على الثُّبوتِ الجَوهَريِّ لا العابِر، ثُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ كَشفاً أنَّ القِبلةَ عِندَ الجَماعاتِ المُغلَقةِ عَلامةُ وَلاءٍ لا مَحَلُّ حِوار. وجَذرُ (ت-ب-ع) يَكشِفُ العُمق، والاتِّباعُ فيه وَضعُ النَّفسِ خَلفَ دَليلٍ اعتِرافاً بِأسبَقيّتِه، وهذا ما تَرفُضُه الجَماعاتُ المُنغَلِقة. ثُمَّ تُقابِلُ الآيةُ بَينَ (ه-و-ي) و(ع-ل-م) مُقابَلةً جَذريّة: الهَوى فَراغٌ يَسحَبُ إلى أسفَلَ بِلا مَركَز، والعِلمُ عَلامةٌ تَرتَفِعُ وتَستَقِرّ. وقَيدُ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يَضَعُ الاختيارَ في أشَدِّ صُوَرِه، وهو اختيارٌ بَينَ عِلمٍ حاضِرٍ وهَوىً مَسموع، وليسَ بَينَ عِلمَين. واتِّباعُ الهَوى بَعدَ العِلمِ ظُلمٌ بِمَعنى (ظ-ل-م) الدَّقيق، أي تَغطيةٌ كَثيفةٌ تَلتَصِقُ لِلعِلمِ المُستَقِرِّ بِما يَسحَبُه إلى أسفَل.