البقرة · الآية 156

﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ

الَّذِينَ: اسم موصول يُعرِّف الصابرين من الآية السابقة تعريفاً عمليّاً

الآية موصولة بـوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ في 155، والَّذِينَ هنا بدلٌ أو نعتٌ لـ«الصابرين». وهذا التركيب حاسم، فقد عُدل في تعريف الصابرين عن الصفة الداخليّة المجرّدة (كأن يُقال: «الذين يتحمّلون»، أو: «الذين يخشعون») إلى فعلٍ ظاهر (قَالُوا) يَظهر شرطُه في ظرفٍ مُعيَّن (إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ). فالصبر في هذا السياق استجابةٌ لفظيّة مَشهودة عند لحظة الاختبار، وليس حالةً وجدانيّة مُختبئة في الصدر، ومن لم يُنطِق بها أو يُحقِّق مضمونها عند الاصطدام بالواقع لم يَدخل في مفهوم «الصابرين» الذي يُبشِّره اللهُ هنا، مهما ادّعى من صبرٍ قلبيّ.

إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ: «إذا» ظرفيّة الوقوع المحتوم، و(ص و ب) دِقّة الإصابة

والأداة «إذا» تُستعمل لِمَا هو محقّق الوقوع مستقبلاً، بخلاف «إن» الشرطيّة التي تَحتمل وقوعَه وعدمَه، فاستعمال «إذا» هنا تسليمٌ مُسبَق بأنّ المصيبة واقعةٌ لا محالة في حياة هذا الصابر، وأنّ السؤال عن كيفيّة استقبال ما سيأتي، دون السؤال: «هل تأتي؟». وأمّا الفعل أَصَابَتْ ومُّصِيبَة فكلاهما من (ص و ب)، ومعنى الإصابة في أصل الجذر بلوغ الهدف بدِقّةٍ لا بعشوائيّة، فالمصيبةُ في الاستعمال القرآنيّ سهمٌ نَفَذ إلى موضعٍ مُعيَّن من الإنسان بمقدارٍ مُعيَّن، وليست حَدثاً أعمى طائشاً. وهذا الفهم اللغويّ وحده يكفي لتفكيك معظم ما يَعرِض للمبتَلى من سؤال «لماذا أنا؟»، وجوابه أنّ المبتلى هو المُستَهدَف تحديداً بهذه الإصابة بعينها.

قَالُوا: فعل ماضٍ بعد «إذا» بمعنى الاستجابة الفوريّة لا المُتَأنِّية

ومن القواعد النحويّة المُهمّة أنّ الفعل الماضي بعد «إذا» يُفيد تَحقُّق الفعل وارتباطه الحتميّ بوقوع الشرط، ولا يُفيد المُضيّ الزمنيّ. فلو قيل: «إذا أصابتهم مصيبةٌ يقولون»، لَصارَ القولُ مُرجَّحاً محتمَلاً، أمّا قَالُوا بالماضي فمعناه أنّ القول يكون قد صدر بمجرَّد وقوع المصيبة، فلا فاصلَ بين اللحظتين، ولا مَرحلةَ تَدبُّرٍ أو حسابٍ نفسيّ بينهما. ويَكشف هذا أنّ إِنَّا لِلَّهِ بنيةٌ اعتقاديّة مُرَكَّبة في داخل الإنسان سَلَفاً، تَنطق قبل أن يُفكِّر اللسانُ، وليست إجابةً يَبحث عنها بعد الصدمة، ومن احتاج إلى تذكيرٍ خارجيّ ليَسترجع لم يَبلغ بعدُ رتبةَ هذه الآية.

إِنَّا لِلَّهِ: لام المِلكيّة تَسبق الرّجوع وتُؤسِّسه

وبنيةُ الجملة: إِنَّا ضمير المُتكلّمين المُؤكَّد بإنّ، ثمّ لامُ المِلكيّة لِلَّهِ. والمراد بلام المِلكيّة هنا المِلكُ الوجوديّ التامّ، دون النِّسبة المُجرَّدة (كقولك: «الكتاب للمعلّم» بمعنى في يده)، فالذاتُ كلُّها بأبعادها الجسديّة والنفسيّة والاجتماعيّة والعمريّة مِلكٌ لله، وليست مِلكاً للذات نفسها. وترتيب الجملتين دقيق: المِلكيّة لِلَّهِ تَسبق الرّجوع إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، لأنّ الرّجوعَ لا يَستقيم إلّا إذا سَلَّمَ الإنسانُ أوّلاً أنّه لم يَكن مالكاً لما فَقَد. ومن يَظنّ أنّ ما أُخذ منه كان مِلكاً له ابتداءً يَستعصي عليه أن يَرى الحَدَث رجوعاً، فيَراه اقتطاعاً وظُلماً، ومن سَلَّم بالمِلكيّة رأى الإصابة استرجاعاً طبيعيّاً لما هو أصلاً عند مالكه.

وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ: تقديم «إليه» للاختصاص، و(ر ج ع) لحركةٍ دائريّة لا خطّيّة

والأصل النحويّ: «راجعون إليه»، وقد قدَّمت الآية الجارّ والمجرور إِلَيْهِ على متعلّقه رَاجِعُونَ، وتقديم ما حقُّه التأخير يُفيد الحصر، أي لا نَرجع إلى غيرِه في المآل، ولا تُقبَل حركةٌ بديلة. وأمّا جذر (ر ج ع) فمداره على حركةٍ دائريّة مُتكَرِّرة، ولا يقف عند العودة (ومنه: راجَعَ الكلامَ أي ردَّه مراراً، ومنه: المُراجَعة بعد الطلاق). ويَكشف هذا أنّ رَاجِعُونَ وصفٌ لبنية الحياة نفسها، زيادةً على الإشارة إلى الموت والحساب، فالإنسانُ في كلّ لحظةٍ من حياته في حركة رجوعٍ مُتواصل إلى مصدره، لا في مسارٍ خطّيّ يَمضي نحو نهايةٍ مجهولة. وحين يَستحضر الصابرُ هذا المعنى تَسقط عنه سلطةُ «النهاية» باعتبارها كارثة، وتَبقى حقيقةُ المسار وحدها، وهي أنّ كلَّ خطوةٍ رجوع.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون» في بنيتها اللغويّة، قبل أن تَصير شعيرةً تُقال عند الجنائز، تعريفٌ للإنسان بوظيفتَين متلازمتَين: مِلكيّةٌ سابقة (ل) ورجوعٌ مُستمرّ (ر ج ع)، دون وجودٍ مستقلّ يُصاب بالفَقد.


حَصيلة

الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ أو نَعتٌ لِـ«الصّابِرين» في 155، فالله يُعَرِّفُ الصّابِرينَ بِفِعلٍ ظاهِرٍ دونَ حالٍ وِجدانيٍّ مَستُور. وأداةُ «إذا» في إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ تَقتَضي التَّحَقُّقَ المُستَقبَليَّ، لا الاحتِمال، فالمُصيبَةُ واقِعَةٌ لا مَحالَة، والسُّؤالُ كَيفَ تُستَقبَل. وكِلا (ص-و-ب) في الفِعلِ والمَصدَرِ يَحمِلُ بُلوغَ الهَدَفِ بِدِقَّةٍ لا بِعَشوائيَّة، فالمُصيبَةُ سَهمٌ يَبلُغُ مَوضِعاً مُعَيَّناً بِمِقدارٍ مُعَيَّن، فَيَسقُطُ سُؤالُ «لِماذا أنا؟». ثُمَّ إنَّ قَالُوا﴾ بِالماضي بَعدَ «إذا» يُفيدُ التَّحَقُّقَ الفَوريّ، فبِمُجَرَّدِ وُقوعِ المُصيبَةِ يَكونُ القَولُ قَد صَدَر، بِلا فاصِلٍ من تَدَبُّر، لأنَّ البِنيَةَ مُرَكَّبَةٌ في الباطِنِ سَلَفاً. ولامُ المِلكيَّةِ في إِنَّا لِلَّهِ﴾ مِلكٌ وُجوديٌّ تامٌّ غَيرُ النِّسبَةِ المُجَرَّدَة، وتَقديمُها على الرُّجوعِ ضَروريّ، فمَن ظَنَّ أنَّ ما أُخِذَ كانَ مِلكَهُ رَأى الحَدَثَ اقتِطاعاً، ومَن سَلَّمَ بِالمِلكيَّةِ رَآهُ استِرجاعاً طَبيعيّاً. وتَقديمُ إِلَيْهِ﴾ على رَاجِعُونَ﴾ لِلحَصر، أي لا رُجوعَ إلى غَيرِه، وجَذرُ (ر-ج-ع) حَرَكَةٌ دائِريَّةٌ مُتَكَرِّرَة، فالإنسانُ في كُلِّ لَحظَةٍ في رُجوعٍ مُتَواصِلٍ إلى مَصدَرِه.