البقرة · الآية 157
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة البُعد يُفيد علوّ المقام لا مجرّد الإشارة
أسماء الإشارة في العربيّة تَنقسم إلى قريبة (هذا، هؤلاء) وبعيدة (ذلك، أولئك). وكاف الخطاب في أُولَٰئِكَ دالّة على البُعد. والبُعد هنا ليس مكانيّاً ولا زمانيّاً، بل بُعد مَقاميّ: الصابر الذي قال إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ بَعُدت رتبتُه عن سائر الناس، فصار الإشارة إليه إشارة إلى مقامٍ مُنتصِب. وإذا قارَنّا بمَن قال الله فيهم وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أو الَّذِينَ كَفَرُوا وجدنا أنّ القرآن يَستعمل أدواتٍ نحويّة دقيقة للتمييز بين المقامات، وأنّ أُولَٰئِكَ هنا إعلانُ تَشريفٍ لا مجرّد إحالة.
عَلَيْهِمْ: حرف «على» للاستعلاء والتغطية، بديل لم يُستعمل «لهم»
كان الأصل البلاغيّ المُتوقَّع أن يُقال: «لهم صلواتٌ من ربّهم»، فتُفيد اللام الاستحقاق والمِلكيّة. لكن الآية عَدَلت إلى «عَلى». وحرف «على» يُفيد الاستعلاء والإحاطة من فوق، كما في: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ أو إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ. وبين التعبيرَين فرقٌ جوهريّ: «لهم» تجعل الصلوات حَقّاً يَملكه العبد ويَتَصرَّف به، فيَعود الأمرُ إلى فعل الإنسان ومسؤوليّته. أمّا عَلَيْهِمْ فتَجعل الصلوات نازلةً من فوقٍ تَغشى العبد بلا مقابل، أشبه بما في وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ. واختيار «على» في موقع الصابر المُنكَسِر أرفق به من «لام»، لأنّ المُنكَسِر تحت المصيبة لا يَحتمل أن يُقال له: «هذا حقُّك فتَصرَّف»، بل يَحتاج أن تُغشى صلواتٌ من فوقه، يَتلَقّاها لا يَطلبها.
صَلَوَاتٌ: جمع مؤنّث سالم يَكشف عكس اتّجاه الصلاة في الاستعمال المألوف
الصلاة في الاستعمال المألوف اتّصال من العبد إلى الله (أُقيموا الصلاة، أَقِم الصلاة). وهنا ينقلب الاتّجاه: الصلوات من الله إلى العبد. وهذه الملاحظة وحدها كافية لنَقْضِ مفهوم «الصلاة = شعيرة طقسيّة بَشَريّة»، وإثبات أنّ (ص ل و) في جذره يعني الاتّصال بأيّ اتّجاهٍ كان. ثمّ إنّ الجمع صَلَوَاتٌ لا «صلاةٌ واحدة» يَكشف أنّ الاتّصال ليس حَدَثاً ينتهي، بل مَوجاتٌ مُتتالية: كلّما تَلَقّى الصابرُ اتّصالاً ورَدَّه بقلبٍ مفتوح، أتاه الذي يَليه. وهذا يَقلب المعادَلة: من ظَنَّ أنّه يَتَّصل بالله فَوَجِد نفسَه يَتَلَقّى اتّصالاً منه، وَقَف أمام الحقيقة الكبرى: الصلاةُ مُبادَرةٌ إلهيّة قبل أن تكون استجابةً بشريّة.
مِّن رَّبِّهِمْ: ذكر الربوبيّة الخاصّة لا الألوهيّة العامّة
لم يَقُل: «من الله»، وقال: مِّن رَّبِّهِمْ. وبين اللفظَين فرقٌ مُهمّ: «الله» اسم الذّات المُنفرِدة بالعُلُوّ، وهو مَقام المعرفة العامّة التي تُقَرِّر التوحيد. أمّا «الربّ» فمن (ر ب ب) = التربية والتَعَهُّد والإيصال إلى الكمال بالتَّدرُّج. فإضافة الربوبيّة إلى ضمير الغائبين رَبِّهِمْ تُشير إلى أنّ الصلوات النازلة لا تنزل من الحضرة الإلهيّة المُطلَقة بما هي هي، بل من عَلاقةٍ خاصّة مَعهودة بين هذا الربّ وهؤلاء العباد بالذات، مبنيّة على تاريخٍ من التعهّد والتربية. فالصبر الذي أَظهَره هؤلاء عند المصيبة دَلَّ على أنّهم يَعرفون ربَّهم معرفةً خاصّة، والصلواتُ المُقابلة تَأتيهم بوصفهم مَعروفين لدى ربّهم، لا بوصفهم أفراداً من جُملة الخلق.
وَرَحْمَةٌ: الإفراد بعد الجمع لأنّ الرحمة صفةٌ واحدة محيطة
جاءت صَلَوَاتٌ جمعاً، ورَحْمَةٌ مُفرَدة. والتناوب بين الجمع والإفراد في جملةٍ واحدة ليس اعتباطاً بلاغيّاً، بل كَشفٌ دقيق لطبيعة كلّ من المَعنَيَين: الصلوات أفعالٌ متعدّدة تَنزل بحَسَب حالات المُتَلَقّي، فتَتعدّد هي بتعدّدها. أمّا الرحمة فصفةٌ ذاتيّة محيطة لا تَنقسم، كما أنّ النور لا يَنقسم وإن أضاء أشياء مختلفة. فإفراد رَحْمَةٌ تَنبيهٌ إلى أنّها البَحر الذي تَجري فيه كلّ الصلوات، لا نَوعاً مُستقِلاً عنها. وفي هذا تَفنيدٌ لِمَن يَتصوَّر الرحمة حَدَثاً يَنزل ثمّ يَرتفع، فهي عند الصابر الحاضر إِنَّا لِلَّهِ وِعاءٌ لا حَدَث.
وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ: تَكرار الإشارة وضمير الفصل للحَصر
الجملة الأخيرة تُعيد أُولَٰئِكَ مرّةً ثانية. والتكرار في العربيّة ليس حَشواً، بل تأكيدٌ بانتقالٍ من جانبٍ إلى آخر: المرّة الأولى أفادت عُلُوّ مقامهم في تَلَقِّي الصلوات والرحمة، والثانية تُفيد حصرَ صفة الاهتداء فيهم. ثمّ زيدَ ضمير الفصل هُمُ بين المُبتدأ أُولَٰئِكَ والخَبر الْمُهْتَدُونَ، وضمير الفصل في النحو العربيّ يُفيد الحَصر والقَلب: لا غيرُهم هم المهتدون. وهذا الحَصر يَقلب الفِكرة الشائعة: فالاهتداء في عُرف الناس يَرتبط بالعلم والذكاء ووفرة المعلومة. أمّا في ميزان الآية، فالمُهتَدون هم الذين اجتازوا اختبار المصيبة واستجابوا بكلمةٍ دقيقة. لا يَبلغ مقام الاهتداء مَن لم يَمُرّ على هذا الممرّ، مهما عَلِم ومهما قرأ. وصيغة اسم الفاعل الْمُهْتَدُونَ (من باب افتَعَل) تُفيد أنّ الاهتداء فِعلٌ باشَره صاحبُه، لا حال انتَظَرها، فهو اهتداءٌ ناتجٌ عن حركةٍ ذاتيّة (استرجاع) لا مجرّد تَلَقٍّ سَلبيّ للهُدى.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «صلوات من ربّهم ورحمة» ليست ثَواباً يُصرَف في الآخرة، بل اتّصالٌ إلهيّ مَعكوس الاتّجاه يَبدأ في الدنيا من فوق عَلَيْهِمْ ويَنزل على وِعاءٍ رَحِمِيّ مُفرَد، ثمّ يَختم الله المشهد بأنّ دَور هذا الصابر في الوجود هو دَور المُهتَدي المُمَيَّز، لا مجرّد الناجي من الكارثة.
حَصيلة
اسمُ الإشارَةِ البَعيدِ أُولَٰئِكَ﴾ يُعلِنُ عُلُوَّ مَقامِ الصّابِرينَ لا مُجَرَّدَ الإشارَةِ إليهِم. وحَرفُ «عَلى» في عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ اختيارٌ بالِغٌ: لَو قيلَ «لَهُم» لَكانَت الصَّلَواتُ حَقّاً يَمتَلِكُهُ العَبدُ، أمّا «عَلَيهِم» فَجَعَلَها نازِلَةً من فَوقٍ تَغشاهُ بِلا مُقابَل، أَرفَقُ بِالمُنكَسِرِ تَحتَ المُصيبَة. والصَّلَواتُ بِالجَمعِ تَكشِفُ انعِكاسَ الاتِّجاهِ المَألوفِ: الاتِّصالُ هنا من الله إلى العَبدِ لا العَكسُ، وجَمعُها مَوجاتٌ مُتَتالِيَةٌ لا حَدَثٌ يَنتَهي. ثُمَّ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ بِإضافَةِ الرُّبوبيَّةِ الخاصَّةِ لا الألوهيَّةِ العامَّة: الصَّلَواتُ تَأتيهِم من رَبٍّ يَعرِفُهُم بِاسمِهِم وبِتاريخٍ من التَّعَهُّد. وإفرادُ وَرَحْمَةٌ﴾ بَعدَ جَمعِ الصَّلَوات كاشِفٌ: الرَّحمَةُ بَحرٌ واحِدٌ مُحيطٌ تَجري فيهِ كُلُّ الصَّلَوات، وإفرادُها تَنبيهٌ إلى أنَّها وِعاءٌ لا حَدَث. وتَكرارُ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ مع ضَميرِ الفَصلِ يَحصُرُ الاهتِداءَ فيهِم: الاهتِداءُ في مِيزانِ القرآنِ ليسَ كَثرَةَ العِلمِ بَل اجتِيازُ مَمَرِّ المُصيبَةِ بِالكَلِمَةِ الصَّحيحَة.