البقرة · الآية 155

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ

وَلَنَبْلُوَنَّكُم: لامُ التَّوكيدِ ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَةُ تُخرِجانِ الابتِلاءَ من دائِرَةِ الاحتِمال

الفِعلُ هنا مَسبوقٌ بِلامٍ وَمَقرونٌ بِنونِ تَوكيدٍ ثَقيلَة: «لَـنَبلُوَنَّكُم». اللّامُ لامُ الجَوابِ لِقَسَمٍ مَحذوفٍ تَقديرُه: والله لَنَبلُوَنَّكُم. ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَةُ تَرفَعُ الاحتِمالَ عن الفِعلِ نَهائيّاً. ما يَترَتَّبُ عَلى هذا التَّركيبِ أنَّ الابتِلاءَ لَيسَ مَشروطاً بِسُلوكٍ ولا مَفتوحاً عَلى إمكانِ التَّجَنُّب. هو قانونٌ مُعلَنٌ بِأعلى دَرَجاتِ اليَقينِ اللُّغَوِيّ. هذا يَسُدُّ بابَ تَصَوُّرٍ شائِعٍ: أنَّ الاستِقامَةَ تُعفي صاحِبَها من الابتِلاء. الصيغَةُ تَقولُ العَكس: كُلُّكُم سَتُبتَلَون، بِلا استِثناء، وإنَّما يَختَلِفُ الأثَرُ لا الوُقوع.

بِشَيْءٍ: نَكِرَةٌ مُقَلِّلَةٌ تَحُدُّ حَجمَ الابتِلاءِ بِالبِناء

لَم يَقُل «بِأشياءَ من الخَوف» (جَمعاً) ولا «بِالخَوفِ والجوع» (مُعَرَّفاً) بَل «بِشَيءٍ من الخَوفِ والجوع». النَّكِرَةُ المُنَوَّنَةُ هنا تَدُلُّ عَلى التَّقليلِ والجُزئيَّة: قَدرٌ مَحسوبٌ لا كُلِّيَّةٌ ساحِقَة. ومع أنَّ اللّامَ والنّونَ الثَّقيلَةَ رَفَعَتا الاحتِمالَ عن وُقوعِ البَلاء، فإنَّ «بِشَيءٍ» قَيَّدَت مِقدارَه. الجُملَةُ تَقولُ في نَفَسٍ واحِد: الابتِلاءُ واقِعٌ لا مَحالَة، ومَحدودٌ لا مُطلَقاً. هذا التَّقييدُ هو ما يُمَيِّزُ البَلاءَ الذي يَدخُلُ في دائِرَةِ التَّربيَة، عن الهَلاكِ المُطلَقِ الذي لا يُتَصَوَّرُ فيهِ صَبرٌ. ما يَقَعُ يُحَدَّدُ جِنسُهُ ويُمنَعُ استيعابُهُ الكامِلُ لِلمَحَلّ.

التَّعدادُ الخُماسيّ: حَلَقاتٌ مُتَراكِزَةٌ من الحِسِّ الباطِنِ إلى الثَّمَرَةِ الخارِجيَّة

جاءَ التَّعدادُ عَلى خَمسَةِ أنواعٍ مُنَسَّقَةٍ من الدّاخِلِ إلى الخارِج: الخَوفُ حالَةٌ في النَّفسِ لا جِسمَ لَها، ثُمّ الجوعُ حالَةٌ في البَدَنِ لَها مَحَلٌّ مَلموس، ثُمّ الأموالُ مُلكٌ مُنفَصِلٌ عن البَدَن، ثُمّ الأنفُسُ مُجتَمَعٌ يَضُمُّ البَدَن، ثُمّ الثَّمَراتُ ناتِجُ جَهدٍ مُتَراكِم. هذه حَلَقاتٌ خَمسٌ تَتَّسِعُ من النَّفسِ إلى العَمَلِ المُثمِر. كُلُّ حَلَقَةٍ تَختَبِرُ قُدرَةَ الصَّبرِ عَلى طَبَقَةٍ مُختَلِفَة. من صَبَرَ عَلى الخَوفِ قد يَعجِزُ عن الصَّبرِ عَلى الجوع، ومن صَبَرَ عَلى فَقدِ المالِ قد يَنكَسِرُ عِندَ فَقدِ نَفسٍ عَزيزَة، ومن صَبَرَ عَلى الأنفُسِ قد يَتَعَبُ حينَ تَنقَطِعُ ثَمَرَةُ سَنَواتٍ من العَمَل. التَّعدادُ مُعَدٌّ لِاستيفاءِ حَلَقاتِ التَّجرِبَةِ البَشَريَّةِ كامِلَةً، لِيَظهَرَ أنَّ لا مَوقِعَ خارِجَ الابتِلاء.

مِّنَ التَّبعيضيَّة: فَرقٌ بَينَ «مِن» في النَّقصِ و«مِن» في الخَوفِ والجوع

وَرَدَت «من» في مَوضِعَينِ: «مِنَ الخَوفِ والجوع» و«مِنَ الأموالِ والأنفُسِ والثَّمَرات»، لكنّها في الثّاني مَسبوقَةٌ بِلَفظِ «نَقصٍ»: «وَنَقصٍ مِّنَ الأموالِ». «من» الثّانيَةُ تَبعيضيَّةٌ مُؤَكَّدَة: بَعضُ المالِ لا كُلُّه. أمّا الأُولى فهيَ بَيانيَّةٌ: البَيانُ لِلشَّيءِ المُبهَم. فالخَوفُ والجوعُ مِثالانِ لِنَوعِ الابتِلاء، أمّا نَقصُ المالِ والأنفُسِ والثَّمَراتِ فمِقدارٌ داخِلَ مَجالٍ مَعروف. هذا التَّمييزُ الصَّرفِيُّ يَكشِفُ أنَّ الخَوفَ والجوعَ يَمَسّانِ الكَيانَ بِذاتِهما (قَد تَخافُ كَثيراً)، بَينَما المالُ والأنفُسُ والثَّمَراتُ لا يُؤخَذُ مِنها إلّا جُزءٌ مُعَيَّنٌ تَبعيضاً. الابتِلاءُ في الأوَّلِ كَيفيٌّ، وفي الثّاني كَمِّيّ.

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ: الانتِقالُ من الخِطابِ الجَمعِيِّ إلى الأمرِ المُفرَد، وجذرُ (ب ش ر)

لاحَظ أنَّ أوَّلَ الآيَةِ خِطابٌ جَمعِيٌّ (لَنَبلُوَنَّكُم)، وآخِرَها أمرٌ مُفرَدٌ يَتَوَجَّهُ إلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: بَشِّر. الإعلانُ لِلجَماعَة، والبِشارَةُ تَجري عَبرَ قَناةٍ واحِدَة. وجذرُ (ب ش ر) تَأصَّلَ في السُّورَةِ: البَشَرَةُ سَطحُ الإنسانِ الظّاهِر، والبِشارَةُ ما يُحدِثُ في البَشَرَةِ تَغَيُّراً من فَرَحٍ أو اصفِرارٍ من خَبَر. فالبِشارَةُ ليسَت مُجَرَّدَ إخبارٍ بِخَيرٍ آتٍ، بَل خَبَرٌ يَبلُغُ عُمقَ النَّفسِ حتّى يَظهَرَ أثَرُهُ عَلى السَّطح. والمُبَشَّرون هُم «الصّابِرون» لا «الَّذينَ لم يُبتَلَوا». الصَّبرُ شَرطُ قَبولِ البِشارَةِ لا نِهايَةُ الابتِلاء. فالبِشارَةُ تَنفُذُ إلى مَن صَبَرَ في عَينِ الابتِلاء، لا مَن أُعفِيَ مِنه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: لامُ القَسَمِ ونونُ التَّوكيدِ تَرفَعانِ الاحتِمال، ونَكِرَةُ «شَيء» تَحُدُّ المِقدار، وحَلَقاتُ الخَمسِ تَستَوفي التَّجرِبَةَ من الدّاخِلِ إلى الخارِج، و«مِن» البَيانيَّةُ تَفصِلُ عن «مِن» التَّبعيضيَّة، وجذرُ (ب ش ر) يَنقُلُ البِشارَةَ من إخبارٍ لَفظيٍّ إلى أثَرٍ يَظهَرُ عَلى السَّطح. فالمُصطَلَحُ «ابتِلاء» لا يُعَرَّفُ إلّا بِاجتِماعِ اليَقينِ في الوُقوعِ والحَدِّ في المِقدارِ والتَّوَزُّعِ في المَجال.


حَصيلة

لامُ القَسَمِ ونونُ التَّوكيدِ الثَّقيلَةُ في وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ يَرفَعانِ الاحتِمالَ عن الابتِلاءِ نَهائيّاً: لَيسَ مَشروطاً بِسُلوكٍ ولا يَقبَلُ التَّجَنُّبَ، هو قانونٌ مُعلَنٌ بِأقصى اليَقينِ اللُّغَويّ. لكنَّ نَكِرَةَ بِشَيْءٍ﴾ تُقَيِّدُ المِقدارَ: قانونٌ قاطِعٌ في الوُقوعِ ومَحدودٌ في الكَمّ. والتَّعدادُ الخُماسيُّ مُرَتَّبٌ من الدّاخِلِ إلى الخارِج: الخَوفُ حالَةٌ في النَّفسِ بِلا جِسم، الجوعُ حالَةٌ في البَدَن، الأموالُ مُلكٌ مُنفَصِل، الأنفُسُ مُجتَمَعٌ بَشَريّ، الثَّمَراتُ ناتِجُ جَهدٍ مُتَراكِم؛ فلا مَوقِعَ خارِجَ الابتِلاء. و«من» في الخَوفِ والجوعِ بَيانيَّةٌ تَضَعُهُما مَثَلاً على نَوعِ البَلاء، أمّا «مِن» في الأموالِ والأنفُسِ والثَّمَراتِ تَبعيضيَّةٌ: بَعضٌ لا كُلٌّ. ثُمَّ يَتَحَوَّلُ الخِطابُ من جَمعِ «لَنَبلُوَنَّكُم» إلى أمرٍ مُفرَد وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: الإعلانُ لِلجَماعَةِ والبِشارَةُ تَجري عَبرَ قَناةٍ واحِدَة، وجَذرُ (ب-ش-ر) يَنقُلُ الخَبَرَ من الإخبارِ اللَّفظيِّ إلى أثَرٍ يَظهَرُ على سَطحِ المُتَلَقِّي، والمُبَشَّرُ الصّابِرُ في عَينِ الابتِلاءِ لا مَن أُعفيَ مِنه.