البقرة · الآية 59

﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ

«فَبَدَّلَ»: جذر (ب د ل) = إحلالُ ظُهورٍ بَديلٍ في مَوضِعِ الأَصلِ مَعَ احتِفاظِه بإطاره

الجذرُ (ب د ل) مَبنِيٌّ على نَواةِ «بد» (ب: ظُهورٌ وخُروج، د: احتِباسٌ وامتِداد)، أيْ ظُهورٌ يَحتَبِسُ مَوضِعَ الظُّهورِ الأَوّلِ فيُحِلُّ نَفسَه مَحَلَّه، ثُمَّ يَأتي اللّامُ بِشَحنَةِ تَعَلُّقٍ وامتِداد. فالتَّبديلُ إبرازُ (ب) شَيءٍ في مَوضِعِ الأَوّلِ (د) بِتَعَلُّقٍ يُثَبِّتُه (ل)، وليسَ تَغييراً خارِجيّاً ظاهِراً، والإطارُ الخارِجيُّ يَبقى فيه كَما هُو، والمُحتَوى يَنقَلِبُ في الباطِن. ولِذَلِكَ كانَ التَّبديلُ أَخطَرَ مِنَ التَّغييرِ الصَّريحِ، لأنَّه يُوهِمُ بِالبَقاءِ وهُو إحلال. وكانَ المَطلوبُ في الآيَةِ السّابِقَةِ «حِطَّةٌ»، وهي بُنيَةُ طَلَبِ إنزالِ الثِّقل، فَأَحَلَّ الظّالِمونَ في مَوضِعِها قَولاً غَيرَه يُبقي الحَرَكَةَ الظّاهِرَةَ (القَولُ عِندَ العُبور) ويُلغي وَظيفَتَها.

«الَّذينَ ظَلَموا»: جذر (ظ ل م) في تَمَوضُعِ الغِطاءِ فَوقَ الكَلِمَةِ المَقُولَة

وقد تَقَدَّمَ في آيَةِ «وما ظَلَمونا» أنَّ الظُّلمَ طَبَقَةٌ كَثيفَةٌ (ظل) تَتَجَمَّعُ وتَلتَصِقُ (م)، أيْ وَضعُ الشَّيءِ خارِجَ مَوضِعِه بِإقامَةِ سِتارٍ فَوقَه. وهُنا يَأخُذُ الظُّلمُ صورَتَه الخاصَّةَ في المَشهَد، وهي وَضعُ الكَلِمَةِ المَقولَةِ تَحتَ طَبَقَةٍ مِنَ البَديلِ المُختار، وليسَت وَضعَ اللهِ خارِجَ مَوضِعِه. فَآليَّةُ الظُّلمِ (ظ ل م) في هَذا المَوضِعِ هِي ذاتُها آليَّةُ التَّبديلِ (ب د ل): إحلالُ غِطاءٍ يَحتَبِسُ الأَصلَ في الباطِنِ ويُبقي الظّاهِرَ سالِماً. ولِأَنَّ الظُّلمَ مَوقِعيٌّ لا شَخصيٌّ، خُصَّ بِه «الَّذينَ ظَلَموا» دُونَ سِواهُم مِنَ القَومِ.

«رِجزاً مِنَ السَّماء»: جذر (ر ج ز) فَوقَ بِنيَةِ (س م و) المَحفوظَة

والجذرُ (ر ج ز) مَبنِيٌّ على نَواةِ «رج» (ر: استِرسالٌ وامتِداد، ج: تَجَمُّعٌ وبُروز)، وهي حَرَكَةٌ مُستَرسِلَةٌ تَتَجَمَّعُ في بُروز، ثُمَّ يَلحَقُها الزّاءُ بِشَحنَةِ نَفاذٍ واكتِناز. فالرِّجزُ اضطِرابٌ يَتَراكَمُ ويَختَرِق، ومِنه الرَّجَزُ في العَروض، وهو إيقاعٌ مُضطَرِبٌ مُتَواتِر. وأمَّا «السَّماءُ» فَمِنَ الجذرِ (س م و)، ومَدارُه على عُلُوٍّ ذي بَقاءٍ ومَحفوظيَّة، ولا يُكتَفى فيه بِمَعنى الفَضاءِ الفَوقيّ. وقَولُه «رِجزاً مِنَ السَّماء» يَصِفُ إطلاقَ اضطِرابٍ نافِذٍ مِن بِنيَةٍ عاليَةٍ مَحفوظَةٍ كانَت تَضبِطُ المَوضِع، ولا يَصِفُ قُصوفاً عابِراً يَسقُطُ مِنَ الجَوّ. ولَمّا أُحدِثَ الخَرقُ في الكَلِمَةِ (التَّبديلُ) انكَسَرَ تَماسُكُ البِنيَةِ، فَانفَلَتَ الاضطِرابُ المَكنونُ فيها فَوقَ الفاعِل، والجَزاءُ أَثَرٌ في البِنيَةِ لا عُقوبَةٌ تُساقُ مِن خارِجِها.

«بِما كانوا يَفسُقون»: جذر (ف س ق) = الخُروجُ عَنِ الإهابِ المُتَواصِل

والجذرُ (ف س ق) يَصِفُ خُروجَ الكائِنِ عَن إهابِه، كَتَمرَةٍ تَنزَلِقُ مِن قِشرَتِها فَتَفقِدُ غِطاءَها الحافِظَ فَتَتَعَرَّضُ لِلفَساد. والباءُ في «بِما» لِلسَّبَبيَّة، فالرِّجزُ لم يَنزِل إلاّ مِن حَيثُ أنَّهُم خَرَجوا عَنِ الإهابِ الَّذي كانَ يَحميهِم، وهُو القَولُ المُعطى نَفسُهحِطَّةٌ»)، فَلَمّا بَدَّلوه انخَلَعَ عَنهُمُ الغِطاءُ، فَأَصابَهُمُ الاضطِرابُ النّافِذُ أَثَراً مُباشِراً لِفُقدانِ القِشرة، لا قِصاصاً مَفصولاً. وصيغَةُ «كانوا يَفسُقون» (فِعلٌ ناقِصٌ ومُضارِعٌ مَعاً) تَدُلُّ على استِمرارٍ مَلازِم، أي حالِ خُروجٍ مُتَواصِلَةٍ سَبَقَتِ التَّبديلَ وتَلَته، غَيرِ خُروجٍ واحِد.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«التَّبديلُ» إحلالُ بَديلٍ (ب د ل) يُغَطّي الكَلِمَةَ الأَصليَّةَ (ظ ل م)، ولا يَقِفُ عِندَ التَّحريفِ اللَّفظيّ، فَيَتَفاعَلُ الاضطِرابُ المَحفوظُ في البِنيَةِ العُليا (ر ج ز مِن س م و) مَعَ الكائِنِ المُنخَلِعِ عَن إهابِه (ف س ق)، والجَزاءُ أَثَرٌ في المَوضِعِ لا عُقوبَةٌ تُساقُ إليهِ مِن خارِجٍ.


حَصيلة

فَعَلَ الذينَ ظَلَموا خِلافَ ما أُمِروا بِه تَحديداً، أي بَدَّلوا القَولَ المَطلوبَ بِقَولٍ آخَر، و(ب-د-ل) وَضعُ شَيءٍ مَكانَ آخَر. والظُّلمُ هُنا بَيِّن: أُمِروا بِكَلِمَةِ طَلَبِ التَّخفيفِ (حِطَّة) فَوَضَعوا في مَوضِعِها كَلِمَةً أُخرى، أي خَرَجوا عَن المَوضِعِ الذي طُلِبَ أن يَكونوا فيه. فَجاءَ «الرِّجز» من (ر-ج-ز)، وهو اضطِرابٌ وقَلَقٌ يَمنَعُ الاستِقرار. وعِلَّةُ النُّزولِ مُحَدَّدَة: «بِما كانوا يَفسُقون»، و(ف-س-ق) الخُروجُ عَن الغِطاءِ كَما تَفسُقُ الرُّطَبَةُ عَن قِشرَتِها. فالعِقابُ غَيرُ اعتِباطيّ، إذ مَن خَرَجَ عَن مَوضِعِه يَأتيه الاضطِرابُ من المَوضِعِ الذي أَبَى أن يَستَقِرَّ فيه. والقَولُ المُبَدَّلُ دَليلٌ على قَلبٍ لم يَدخُل من البابِ الذي طُلِب، مَعَ كَونِه خَطَأً لِسانيّاً.