البقرة · الآية 64
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«تَوَلَّيْتُم» (و ل ي): فَكُّ ارتِباطٍ كانَ يُحيطُ ويَتَعَلَّق
جَذرُ (و ل ي) يَرسُمُ قُرباً لاصِقاً مُمتَدّاً: (و) اشتِمالٌ واحتِواء، (ل) تَعَلُّقٌ وامتِداد، (ي) اتِّصالٌ ومَدّ. فَالوَلايةُ حَرفيّاً إحاطةٌ تَتَعَلَّقُ وتَتَّصِل: قُربٌ لاصِقٌ لا يَنفَكّ. والتَّوَلّي في هَذِهِ الآيةِ لَيسَ مُجَرَّدَ تَراخٍ في تَطبيقِ العَهد، بَل فَكُّ ذَلِكَ اللُّصوقِ ذاتِه: إدارةُ الظَّهرِ عَن جِهةٍ كانَت مُحيطةً بِالنَّفسِ فَغَدَت خَلفَها. ولِذا قالَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم﴾ بَعدَ «أَخَذنا ميثاقَكُم» مُباشَرةً: ما جَرى لَيسَ نِسيانَ تَفصيلٍ في العَقدِ، بَل فَضُّ الرِّباطِ الَّذي كانَ يَحوي المُتَعاقِدَ مِن داخِلِه. والتَّوَلّي بَعدَ الميثاقِ أَشَدُّ مِنَ الرَّفضِ الابتِدائيّ، لأَنَّ الرّافِضَ ابتِداءً لَم يَدخُل في عَلاقةٍ، أَمّا المُتَوَلّي فَقَد دَخَلَ ثُمَّ قَطَعَ، وانقِطاعُ ما كانَ مُتَّصِلاً جُرحٌ يُؤَثِّرُ في البِنيةِ كُلِّها.
«فَضلُ اللهِ عَلَيكُم» (ف ض ل): فائِضٌ يَتَقَدَّمُ الاستِحقاقَ لا مُكافَأةً عَلَيه
جَذرُ (ف ض ل) يَحمِلُ فَرزاً بِضَغطٍ (ف ض) ثُمَّ تَعَلُّقاً بِامتِداد (ل). فَالفَضلُ حَرفيّاً ما فُرِزَ بِقُوَّةٍ زائِدةً عَلى المِقدار، ثُمَّ تَعَلَّقَ بِمَن أُعطيَ لَه. ومِن هُنا فَالتَّعبيرُ «فَضلُ اللهِ عَلَيكُم» يَضَعُ الفائِضَ فَوقَ المُتَوَلّي لا تَحتَه: عَطاءٌ يَتَقَدَّمُ عَلى استِحقاقِ المُتَلَقّي، لا جَزاءً يَتَأَخَّرُ عَن طاعَتِه. ولاحِظْ أَنَّ الآيةَ بَنَتِ البِنيةَ بِاستِخدامِ «لَولا» الَّتي تَقتَضي امتِناعَ الجَوابِ لِوُجودِ الشَّرط: «لَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم... لَكُنتُم مِنَ الخاسِرين». والجَوابُ المُمتَنِعُ (الخَسران) هُوَ الحُكمُ الطَّبيعيُّ المُستَحَقُّ بَعدَ فَكِّ الرِّباط، فَلَم يُرفَعْ عَنهُمُ الخَسرانُ مُكافَأةً عَلى الاستِقامة (لأَنَّهُم تَوَلَّوا)، بَل رُفِعَ عَنهُم بِما يَفيضُ مِن ساحةِ الحَقِّ قَبلَ حِسابِ السُّلوك. الفَضلُ مَن طَبيعَتِهِ أَنَّهُ يَسبِقُ الاستِحقاق، فَإذا لَحِقَهُ لَم يَعُدْ فَضلاً بَل أَجراً.
«وَرَحمَتُه» (ر ح م): وِعاءٌ يَحنو لا عاطِفةٌ عابِرة
جَذرُ (ر ح م) جَذرُ الرَّحِمِ الَّتي تَحوي الجَنينَ وتَحنو عَلَيه: (ر) امتِداد، (ح) كَثافةٌ وحَرارةٌ حاضِنة، (م) خَتمٌ وإحكام. فَالرَّحمةُ حَرفيّاً وِعاءٌ حاضِنٌ مُحكَمٌ لِلنّامي في داخِلِه، لا عاطِفةٌ رَقيقةٌ عابِرةٌ عَلى وَجهِ المُريد. والقِرانُ بَينَ «فَضلِه» و«رَحمَتِه» قِرانٌ دَقيقٌ في التَّوصيف: الفَضلُ فائِضٌ فَوقَ الاستِحقاق، والرَّحمةُ وِعاءٌ يَمنَعُ الانهِيارَ تَحتَ ضَغطِ ما تَوَلَّوا بِه. الفَضلُ مِنَ الأَعلى، والرَّحمةُ مِنَ المُحيط: الفَضلُ يَأتي كَهِبةٍ، والرَّحمةُ تَعمَلُ كَاحتِواءٍ يُحافِظُ عَلى الكائِنِ أَن يَنهارَ كُلِّياً. ولَولا هَذا الوِعاءُ الحاضِنُ لَكانَ التَّوَلّي كافِياً لِإسقاطِ المُتَوَلّي تَحتَ خَطِّ الصِّفر.
«لَكُنتُم مِنَ الخاسِرين» (خ س ر): تآكُلُ رَأسِ المالِ لا ضَربةٌ مُفاجِئة
جَذرُ (خ س ر) يَصِفُ نَوعاً مُحَدَّداً مِنَ الضَّرَر: (خ) تَخَلخُلٌ وفَراغ، (س) نَفاذٌ بِدِقَّة، (ر) استِرسالٌ وامتِداد. فَالخَسارةُ تآكُلٌ دَقيقٌ يَنفُذُ في الرَّأسمالِ ويَستَرسِل: نَقصانُ أَصلٍ لا ضَربةً مُفاجِئةً عَلَى الرَّأس. ولِذا فَرَّقَ القُرآنُ بَينَ الخَسرانِ وبَينَ كَلِماتٍ أُخرى مِن بابِ العُقوبة: الخاسِرُ مَن يَتَآكَلُ رَصيدُهُ بِلا تَوَقُّف، حَتّى يَجِدَ نَفسَهُ بِلا رَأسِ مالٍ أَصلاً. وصيغةُ الجَمعِ «الخاسِرين» تُشيرُ إلى فِئةٍ لَها هَذا المَوقِعُ، ما كانَ لِبَني إسرائيلَ المُتَوَلّينَ إلّا الانضِمامُ إلَيها بِحُكمِ السُّنَّةِ لَولا التَّدارُكُ بِالفَضلِ والرَّحمة. فالآيةُ لا تَقولُ «لَأَهلَكناكُم» ولا «لَعاقَبناكُم»، بَل تَقولُ «لَكُنتُم مِنَ الخاسِرين» بِالفاءِ اللّاحِقةِ بِ«لَولا»: نَقصانٌ حَتميٌّ يَقَعُ بِطَبيعةِ ما تَوَلَّيتُموه، لا عُقوبةٌ تَنزِلُ مِن خارِجٍ عَلَيكُم.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: التَّوَلّي لَيسَ مُجَرَّدَ إحجامٍ بَل فَكٌّ لِرِباطِ (و ل ي) الَّذي كانَ يُحيطُ ويَتَعَلَّقُ ويَتَّصِل، والفَضلُ (ف ض ل) فائِضٌ يَتَقَدَّمُ الاستِحقاقَ لا مُكافَأةً عَلَيه، والرَّحمةُ (ر ح م) وِعاءٌ حاضِنٌ يَمنَعُ الانهِيارَ لا عاطِفةً عابِرة، والخَسرانُ (خ س ر) تآكُلٌ داخِليٌّ في رَأسِ المالِ لا ضَربةٌ خارِجيَّة. فَالمُتَوَلّي لا يَنجو بِاسمِهِ الجَماعيِّ ولا بِانتِسابِهِ إلى «بَني إسرائيل»، بَل بِفائِضٍ يَتَقَدَّمُه وبِوِعاءٍ يَحوطُ تَآكُلَهُ الدّاخِليّ.
حَصيلة
بَعدَ عَرضِ الميثاقِ المُحكَمِ بِالجَبَلِ (63) يَأتي التَّولِّي: ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾. «ثُمَّ» التَّراخِيَّةُ تُشيرُ إلى أنَّ التَّولِّيَ لَم يَكُن فَوريّاً بَل جاءَ بَعدَ مَهلَة. و(و-ل-ي) إدارَةُ الوَجهِ والانصِراف. ثُمَّ يَأتي ما لا يَتَوَقَّعُه المُخاطَب: «فَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم ورَحمَتُه». (ف-ض-ل) الفائِضُ الزّائِدُ على الاستِحقاق، و(ر-ح-م) اللِّيَنُ الذي يَحوي ويَحتَضِنُ كالرَّحِمِ. «لَكُنتُم من الخاسِرين»: أي إنَّ الانصِرافَ كانَ يَستَلزِمُ الخَسارَةَ لَولا أنَّ فائِضاً خارِجَ الاستِحقاقِ احتَضَنَكُم. الآيَةُ لا تُبَرِّرُ التَّولِّيَ بَل تَكشِفُ أنَّ الجَماعَةَ كانَت على حافَّةِ خَسارَةٍ ذاتِيَّةٍ كامِلَة، وأنَّ ما أَبقاها لَم يَكُن اسِتِحقاقَها. الفَضلُ والرَّحمَةُ ليسا جائِزَتَين لِلإنجاز، بَل حِمايَةٌ من سُقوطٍ كانَ مَستَحَقّاً، وهذا ما يَجعَلُ الامتِنانَ فيهِما أَكبَرَ.