البقرة · الآية 8

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

«وَمِنَ النَّاسِ»: صِنفٌ ثالثٌ لا يُغطّي ولا يَفتَح

تَبدأُ الآيةُ بـوَمِنَ النَّاسِ﴾، والمرادُ هذا الجنسُ الإنسانيّ الواسع، لا طائفةٌ مُعيَّنة، فالنِّفاقُ احتمالٌ بشريٌّ عامّ، وهو إمكانُ أن تَنشقَّ الذاتُ بين قولِها وفعلِها، وليسَ ظاهرةً خاصّةً بقومٍ دونَ قوم. وقد قدّمت الآياتُ السابقةُ صِنفَين: الذي يَضعُ على الحقِّ غِطاءً فلا يَنفذُ إليه (ك ف ر)، والذي يَفتحُ نفسَه فيَنفذُ فيه (ا ت ق / ا م ن). وهنا صِنفٌ ثالث يَقولُ كلمةَ الأمانِ من فَتحةٍ ويَفعلُ ضدَّها من فَتحةٍ أُخرى، فلا هو يُغطّي علناً فيَبقى خارج الدعوة، ولا هو يَفتحُ نفسَه فيَدخلُ في الأمان. وهذا الكتابُ يَعرضُ البشرَ في أدوارٍ تَتشكَّلُ بالفعل، لا في هُويّاتٍ ثابتةٍ تَسبقُ الفعل، والنِّفاقُ هو الدورُ الذي تَنشطرُ فيه الذاتُ إلى قائلٍ وفاعِلٍ لا يَتَّفقان.

«مَن يَقُولُ آمَنَّا»: القَولُ بلا العَمَل، عَلامةُ انشِطارٍ في البِنية

يَقولونَ «آمنّا»، أي صَنَعنا الأمان، وهذا قَولٌ لا يَقومُ على فِعلٍ يُقابلُه، فيَتَبَيَّنُ أنّ الفِعلَ المَقصود، وهو صنعُ الأمان، لم يُصنَع. وجاء التَّعبيرُ مَن يَقُولُ﴾ بصيغةِ المُضارعِ الدالِّ على التَّكرار، فالنِّفاقُ عادةٌ قَوليّةٌ لا حادثةٌ واحدة. والقرآنُ يَنفي عنهم الفِعلَ نَفياً صريحاً، ولا يَقِفُ عند وَصفِهم قائلين: وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾، بـ«الباء» الدّاخلةِ على الخبرِ المنفيِّ لِتَأكيدِ النَّفي. ثمّ نُفِيَ عنهم جِنسُ الإيمانِ ذاتُه، دونَ حالٍ وَصفيّةٍ تُنقِصُ من إيمانِهم (كقولٍ: «بمؤمنينَ كاملين»)، لأنّ الإيمانَ فِعلٌ قائم، وأيُّ قولٍ لا يُترجَمُ فِعلاً لا يَنشأُ منه أمانٌ أصلاً. فالقَولُ هُنا فِعلٌ غَيرُ إيمان، وليس إيماناً ناقصاً.

«بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ»: اختيارُ الحَدَّينِ، البِدايةِ والنِّهاية

تَذكرُ الآيةُ مَرجعَين بعينِهما، هما الله واليومُ الآخر، وهذانِ هُما الحَدّانِ اللذانِ تُبنى عليهما بنيةُ الأمانِ عند المؤمن: مَصدرٌ تَصدُرُ عنه الأفعال، ومَصيرٌ تَرجِعُ إليه. فالقائلُ «آمنّا بالله» يَدّعي أنّه يَستمدُّ حركتَه من مَبدأٍ عُلويّ، والقائلُ «واليومِ الآخِرِ» يَدّعي أنّه يُحاسِبُ فِعلَه بِمَوازينِ الخاتمة. وحين يَنفي القرآنُ إيمانَهم بعد هذا القَول، فهو يُؤكّدُ أنّ الدَّعوى تَشملُ الأساسَ والنِّهايةَ معاً، فلا الأصلُ المَنسوبُ إليه يَنضبِطُ فيهم، ولا المَعادُ المَزعومُ يُوَجِّهُ سُلوكَهم، ويَبقى كَلامُهم صوتاً يَخرجُ من فَتحةٍ واحدةٍ من النَّفَق، والفَتحةُ الأُخرى تُفرِّغُ البيتَ من مُحتواه.


حَصيلة

«وَمِنَ النَّاسِ» فَتحةٌ على صِنفٍ ثالثٍ يَقولُ ما لا يَعمَله، فلا يَقِفُ في مَوقِعِ الكافِرِ صَراحةً ولا في مَوقِعِ المُتَّقي إخلاصاً. والنِّفاقُ في جذرِه (ن-ف-ق) صورةُ النَّفَقِ ذي الفَتحَتَين: واحدةٌ تُطِلُّ على أهلِ الأمانِ بقَولِ «آمَنّا»، وأُخرى تُطِلُّ على الجِهةِ المُقابِلةِ بفِعلٍ مُناقِض. والإيمانُ في هذا الكتابِ فِعلُ صَنعِ أمانٍ راسِخٍ (أ-م-ن: ابتِداءٌ مُحاطٌ يَنفُذُ إلى الباطن)، لا بِطاقةٌ تُحمَل، فأيُّ قَولٍ لا يُترجَمُ فِعلاً لا يُنشِئُ أماناً أصلاً. ولذلك نَفى القُرآنُ عنهم الجِنسَ لا الدَّرَجة، بِالباءِ المُؤكِّدةِ للنَّفي: وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾. والمَرجَعانِ اللَّذانِ ادَّعَوُا الاستِنادَ إليهما في قَولِهم، اللهُ واليَومُ الآخِر، هُما بالضَّبطِ الحَدُّ الذي تَنطَلِقُ منه الأفعالُ والحَدُّ الذي تُردُّ إليه، فالدَّعوى تَشمَلُ الأساسَ والخاتِمةَ معاً وتَفشَلُ فيهما معاً. والقَولُ في جذرِه (ق-و-ل) يَبقى مَنسوباً إلى صاحِبِه كَخَيطٍ مُعَلَّق، فلَمّا قالوا «آمَنّا» تَعَلَّقَ القَولُ بهم وسَأَلَهُم عن الفِعلِ الذي تَعنيه الكَلِمة، ولَمّا لم يَأتِ الفِعلُ كانَ القَولُ فِعلاً من نَوعٍ آخَر تماماً.