البقرة · الآية 80

﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

«لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً» (م س س) + (ع د د): تَهوينٌ بِلا مَصدَر

والمَسُّ من (م س س)، وهو تَلامُسٌ خَفيفٌ في السَّطح، لا غَمسٌ ولا إحاطة. فاختاروا أرَقَّ ألفاظِ التَّلاقي مَعَ النّار، ثُمَّ حَدّوه بِـ (ع د د)، أي بِأيّامٍ مَحسوبةٍ بِنِهاية. وادِّعاؤُهُم مُرَكَّبٌ من تَهوينَين: خِفّةِ الوَقعِ وقِصَرِ الأمَد. ومَحَلُّ الإشكالِ تَحويلُ الرَّجاءِ إلى حُكمٍ قاطِع، كما لَو كانوا قد وَقَفوا على كِتابِ اللهِ في حَقِّهِم، والرَّجاءُ ذاتُه غَيرُ مُشكِل. والنَّصُّ القُرآنيُّ هُنا يُناقِشُ مَصدَرَ الحُكم، ولا يُناقِشُ حَقيقةَ النّار.

«أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا» (ع ه د) + (ع ل م): الرَّدُّ مَنهَجيٌّ لا عَقَديّ

والجَذرُ (ع ه د) في القُرآنِ يَدُلُّ على عَقدٍ حَيٍّ قائِمٍ لَه مَصدَرٌ وشاهِد، ولا يُكتَفى فيه بِالرَّجاءِ القَلبيّ. فيَصوغُ الرَّدُّ الإلهيُّ مُعادَلةً بَسيطة: إن كانَ لَكُم عَهدٌ عِندَ اللهِ فلَن يُخلِفَه، فأَروه، وإن لَم يَكُن فأنتُم تَقولونَ على اللهِ ما لا تَعلَمون. و(ع ل م) في القُرآنِ رَبطُ المَعنى بِأصلِه، زيادةً على الحُضورِ الذِّهنيّ. والقاعِدةُ التي تُؤَسِّسُها الآيةُ تَتَجاوَزُ خُصومةً طائِفيّة: كُلُّ حُكمٍ على اللهِ بِلا مَصدَرٍ مَوثوقٍ هو «قَولٌ على اللهِ بِلا عِلم»، أيّاً كانَ القائِل.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «المَسُّ» تَهوينٌ لِوَقعِ الجَزاء، والعَهدُ مَصدَرٌ يُطلَبُ بُرهانُه لا رَجاءٌ يَملَؤُه القَلبُ بِما يُحِبّ.


حَصيلة

ادِّعاءُ «أَيَّامٍ مَعدودة» مُرَكَّبٌ من تَهوينَين: م-س-س، وهو تَلامُسٌ خَفيفٌ في السَّطحِ لا غَمسٌ كامِل، وع-د-د، وهو عَدَدٌ مَحدودٌ مُغلَقٌ بِنِهاية. والادِّعاءُ نابِعٌ من رَغبةٍ في اطمِئنانٍ يَملَؤُه الإنسانُ بِما يُحِبّ، ولم يَنبُعْ من خَبَر. ولم يُثبِتِ الرَّدُّ النّارَ ولم يَنفِها، وطَرَحَ سُؤالاً مَنهَجيّاً: هل لَكُم عَهدٌ عِندَ الله؟ والجَذرُ ع-ه-د في القُرآنِ عَقدٌ حَيٌّ لَه مَصدَرٌ وشاهِد، ولا يُكتَفى فيه بِرَجاءٍ قَلبيّ. فإن كانَ العَهدُ فاللهُ لا يُخلِف، وإن لم يَكُن فالمُعادَلةُ بَسيطة: «أَم تَقولونَ عَلى اللهِ ما لا تَعلَمون»، أي تَضَعونَ على اسمِه قَولاً لَم يَصدُرْ عَنه. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: المَسُّ تَهوينٌ لِوَقعِ الجَزاء، والعَهدُ مَصدَرٌ يُطلَبُ بُرهانُه لا رَجاءٌ قَلبيٌّ بِلا سَنَد.