آل عمران · الآية 139

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

«وَلَا تَهِنُوا»: النَّهيُ الأوّلُ يَقطَعُ دُخولَ الضَّعف

تَعطِفُ الواوُ هذا النهيَ على البيانِ والهدى والموعظةِ السابقة، فتَنقُلُها إلى استجابةٍ في حالِ المخاطَبين، و«لا» ناهيةٌ تَجزِمُ المضارعَ الجمعيَّ «تهنوا». والوَهَنُ من و-ه-ن عقدٌ يُحيطُ ويَشُدُّ ثمّ يَرِقُّ ما يَشُدُّه ويَخفُت، ويُحتبَسُ هذا الخُفوتُ في الجوف، فيَرسُمُ قوّةً تَرِقُّ من داخلِها حتى تَرخو. والنهيُ يَتَّجهُ إلى الحركةِ نفسها ويَمنعُ المخاطَبينَ من الاستسلامِ لتَسرُّبِها.

«وَلَا تَحْزَنُوا»: النَّهيُ الثاني يَضبِطُ احتِباسَ الداخل

وتُكرِّرُ الواوُ و«لا» بنيةَ النهي، والفعلُ يتغيّرُ من الوَهَنِ إلى الحُزن. والحُزنُ من ح-ز-ن تضييقٌ يَحتوي في الباطنِ ثمّ يَتضاغطُ في مَضيقٍ ويُحتبَسُ في الجوف، فيَحمِلُ ألماً داخليّاً يَثقلُ على المَجرى. وتَكرارُ أداةِ النهيِ يَستقلُّ بكلِّ حركة، والمعنى: لا تَدَعوا القوّةَ تَرخو، ولا تَدَعوا الداخلَ يَنغَلِقُ في الحُزن. والنهيُ واقعٌ على اتّخاذِ الألمِ حالاً تقودُ حركتَهم، ولا يَنفي النصُّ أن يَمسَّهم ألم.

«وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ»: العُلُوُّ يُواجِهُ الوَهنَ والحُزن

والواوُ هنا حاليّةٌ، والضميرُ يَحضُرُ بالمخاطَبينَ أنفسِهم في «وأنتم الأعلون». والعلوُّ من ع-ل-و ظُهورٌ من العُمقِ يَتعلّقُ بمَرتبةٍ ثمّ يُفضي إلى انفتاح، فيَحمِلُ ارتفاعاً عن السُّفل، وصيغةُ «الأعلون» تَجمعُهم في الجهةِ الأعلى وتَجعلُها حالاً تُقاومُ الوَهَنَ والحُزن. غيرَ أنّ الجملةَ لا تُطلِقُ تفوّقاً نَسبيّاً أو عِرقيّاً ولا تَعدُ بنتيجةٍ منفصلة؛ والشرطُ التالي يَحكُمُها ويَمنعُ انتزاعَها من تركيبِها.

«إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ»: الإيمانُ يَحمِلُ جِهةَ العُلُوّ

و«إن» تَدخُلُ فتَجعلُ ما قبلَها مربوطاً بشرطٍ صريحٍ هو «إن كنتم مؤمنين». والكَونُ من ك-و-ن كَتمٌ يَحبِسُ الشَّيءَ في باطِنٍ ثمّ يَنبعِثُ بِه من الباطن، فيَحمِلُ قيامَ حالٍ وتحقُّقَها، وخبرُ «كنتم» هو «مؤمنين». والإيمانُ من أ-م-ن إطلاقٌ يَدخُلُ ضمّاً وتَلاصقاً ثمّ يَستقرُّ في احتواءٍ جوفيّ، فيَرسُمُ ثقةً ذاتَ مأمن، واسمُ الفاعلِ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّة، وبهذا الشرطِ وحدَه تُقرأُ حالُ «الأعلون» في الآية.


حَصيلة

تَجمعُ الآيةُ نهيينِ وحالاً وشرطاً في بناءٍ لا يَنفصلُ بعضُه عن بعض، و«لا» تُوقِفُ تَسرُّبَ الوَهَنِ وانغلاقَ الحُزن، ثمّ تَضعُ الآيةُ المخاطَبينَ في حالِ العلوّ. غيرَ أنّ «إن» تَربِطُ هذا العلوَّ بكونِهم مؤمنين، واسمُ الفاعلِ يَطلبُ طبيعةَ إيمانٍ مستمرّةً لا عنواناً موروثاً. ولذلك لا تُقرأُ «الأعلون» وعداً مطلقاً لجماعةٍ مهما فعلت، وهي جهةٌ مشروطةٌ بالإيمانِ في التركيبِ نفسه، ومنها يُقاوَمُ الضَّعفُ والحُزن.