آل عمران · الآية 141

﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ

«وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ»: تَداوُلُ الأَيّامِ يَفتَحُ التَّمحيص

يَخرُجُ من تَداوُلِ الأيّامِ مَآلٌ آخَر: أن يُمحِّصَ الله. التمحيصُ من م-ح-ص ضمٌّ ولقاءٌ يَدخُلُ احتواءً باطناً ثمّ يُحكِمُه إطباقٌ صُلب، فيَرسُمُ ضغطاً يَفصلُ ما يَثبتُ عمّا يَلتبسُ به. وتَحمِلُ شُحنتُه المُكثَّفةُ عَملاً مُستَداماً مُتَكَرِّراً لا لَمسةً عابِرة. الأيّامُ تَتَداوَل، لكنَّ اللهَ هو الذي يَجعَلُ هذا التَّداوُلَ مَجرىً للتَّنقيةِ والكَشف.

«الَّذِينَ آمَنُوا»: الإيمانُ يَدخُلُ مَيدانَ التَّنقية

يَقَعُ التمحيصُ على «الذين آمنوا»، أي على مَن دَخلوا حَرَكةَ الثِّقة، لا على نَسَبٍ أو اسمٍ مَوروث. الإيمانُ من أ-م-ن إطلاقٌ يَدخُلُ ضمّاً ولقاءً ثمّ يَستقرُّ في احتواءٍ جوفيّ، فيَحمِلُ ثقةً ذاتَ مأمن. غيرَ أنَّ المَأمنَ لا يَصيرُ حَصانةً من الضَّغطِ الكاشِف؛ ما استَقَرَّ في الدّاخِلِ يَدخُلُ مَيداناً يَفصِلُ ثَباتَه عمّا التَبَسَ به. الثِّقةُ تَسمّي أصحابَ التمحيص، ولا تُعفيهم منه.

«وَيَمْحَقَ»: ما لا يُنَقّى يُمحى

وفي الوَجهِ المُقابِلِ يأتي المَحق. هو من م-ح-ق: ضمٌّ يَدخُلُ تضييقاً واحتواءً في الباطنِ ثمّ يَنتهي إلى إطلاقٍ قاطع، فيَحمِلُ إنقاصاً يَستمرُّ حتى يَقطعَ بقاءَ الشيء. لا يَسيرُ المَحقُ في حَرَكةِ التَّنقيةِ نَفسِها؛ التمحيصُ يَفصِلُ ليَكشِفَ ما يَثبُت، والمَحقُ يُنقِصُ حتى القَطع. وكِلا المَسارَينِ يَبقى عندَ الله، من غيرِ أن تُفصِّلَ الآيةُ وسيلةَ المَحقِ أو زَمنَه.

«الْكَافِرِينَ»: الحَجبُ يَحمِلُ مَسارَ المَحق

ويَبلُغُ المَحقُ «الكافرين». الكفرُ من ك-ف-ر كَتمٌ واحتباسٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يَجري مسترسلاً في الحَجب، واللَّفظُ يَحمِلُ الحَجبَ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً لا أَصلاً أو جماعةً مَوروثة. هكذا يَتَقابَلُ مَن دَخلوا الثِّقةَ وأصحابُ الحَجبِ الجاري، ويَتَقابَلُ ضَغطٌ يَفصِلُ ليُنَقّي معَ نَقصٍ يَمتَدُّ حتى يَقطَع. ولا يَملِكُ المُخاطَبونَ أن يَنقُلوا الوَصفَ إلى أَفرادٍ لم تُسَمِّهم الآية.


حَصيلة

تَكشِفُ الآيةُ مَآلَينِ في تَداوُلِ الأيّام: يُمحِّصُ الله الذين آمنوا بضغطٍ مُستَدامٍ مُتَكَرِّرٍ يَفصِلُ ويَكشِف، ويَمحقُ الكافرينَ بمَسارٍ يَبلُغُ القَطع. الأوّلونَ تُعرِّفُهم حَرَكةُ الثِّقةِ التي دَخَلوها، والآخَرونَ تُعرِّفُهم طبيعةُ الحَجبِ المُستَمِرّة. فلا يَتحوَّلُ التَّداوُلُ إلى حَرَكةٍ عَمياء؛ يَصيرُ مَيداناً تَظهَرُ فيه التَّنقيةُ والمَحق، وتَبقى كِلتا الجِهتَينِ مَضبوطتَينِ بألفاظِ الآية.