آل عمران · الآية 171

﴿۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ

«يَسْتَبْشِرُونَ»: الفعلُ المتجدّدُ يَمدُّ حالَ الآيةِ السابقة

يَبدأُ المضارعُ بواوِ الجماعةِ العائدةِ إلى الأحياءِ المذكورين، فيَصلُ هذه الآيةَ بحالِهم السابقة. والاستبشارُ من ب-ش-ر، وهو اتصالٌ يَنتشرُ أثرُه ثمّ يَجري نافذاً في المتلقّي، وصيغةُ الاستفعالِ تَحملُ تلقّي البِشر وظهورَه. والتجدّدُ في المضارعِ يَجعلُهم أصحابَ استقبالٍ فرِح، وقد استغنت الآيةُ بحركةِ التلقّي عن صورةِ ناقلِها وزمانِها، فمركزُ المشهدِ أثرُ البشارةِ فيهم.

«بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ»: البِشارةُ تَحمِلُ نِعمةً وفَضلاً

وتَتعلّقُ الباءُ بـ«نعمة» نكرةً، فتَجعلُها مضموناً للاستبشارِ أو سبباً له. ومادّةُ ن-ع-م احتواءٌ يَظهرُ من العُمق ثمّ يَضمُّ ويتلاصق، فالنعمةُ تَحمِلُ نفعاً يَستقرُّ عندَ متلقّيه. وتَحفظُ «من الله» مصدرَها، ثمّ تَعطفُ الواوُ عليها «فضلاً» نكرةً. واللفظانِ متجاورانِ غيرُ مترادفَين: نعمةٌ يَستقرُّ نفعُها، وفضلٌ يَفيضُ زيادةً، وتنكيرُهما يَفتحُ العطاءَ على سَعةٍ فوقَ التقدير.

«وَأَنَّ اللَّهَ»: حِفظُ الأَجرِ داخِلُ البِشارة

والواوُ تَعطفُ مصدراً مؤوّلاً من «أنّ» وما بعدها على ما سبق، فيَصيرُ هو أيضاً من مضمونِ الاستبشار. واسمُ الله هو اسمُ «أنّ»، والتوكيدُ متقدّمٌ على النفيِ اللاحق. وهذا البناءُ يَجمعُ بينَ نعمةٍ وفضلٍ من الله وقاعدةٍ تتعلّقُ بفعلِ الله، وتمامُ البشارةِ أن يكونَ العطاءُ من مصدرِه، وأن يكونَ الأجرُ عندَه محفوظاً.

«لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ»: أَجرُ الإيمانِ مَحفوظ

و«يُضيع» مضارعٌ من ض-ي-ع، ومادّتُه ما يُضَمُّ ويُمسَكُ ثمّ يَتَسَرَّبُ من ضَمِّه في مَنفَذٍ ضَيِّقٍ حتّى يَخرُجَ بعيداً عن مَحلِّ الحفظ، وصيغةُ الإفعالِ تُسنِدُ إحداثَ الضياعِ إلى الفاعل، غيرَ أنّ «لا» تَنفيه عن الله. والمفعولُ «أجر» من أ-ج-ر، وهو إطلاقٌ يَجتمعُ ثمّ يَجري إلى مستحقِّه، وقد أُضيفَ إلى المؤمنين. واسمُ الفاعلِ يَحملُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الإيمان، ووصفُ الأجرِ بالحفظِ هنا كافٍ ليَجعلَ ضمانَه نفسَه موضعَ البِشر.


حَصيلة

يَمتدُّ استبشارُ الأحياءِ إلى نعمةٍ من الله وفضلٍ، وكلاهما نكرةٌ تَفتحُ العطاءَ على سَعة، ثمّ يَتّسعُ مضمونُ البشارةِ إلى جملةٍ مؤكَّدة: الله لا يُضيعُ أجرَ المؤمنين. وحرفُ «من» يَحفظُ مصدرَ النعمة، ونفيُ الإضاعةِ يَحفظُ وصولَ الأجرِ لأصحابِ الإيمان. والعطفُ يَجعلُ الجملةَ المؤكَّدةَ جزءاً من البشارة، فتَجتمعُ سلامةُ الأجرِ والنعمةُ والفضلُ في طمأنينةٍ واحدةٍ مصدرُها الله.