آل عمران · الآية 172

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ

«الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ»: الاستِجابةُ تُعَرِّفُهم

يَعودُ الموصولُ إلى المؤمنينَ المذكورين، ولم يُكتفَ فيه بالاسم، فقد وُصِلَ بفعلِ «استجابوا». والجوابُ من ج-و-ب، ومادّتُه مَخرَجٌ يُفتَحُ في المُتَكَتِّلِ ويَمتَدُّ فيه، ورَدٌّ يَخرُجُ من المَدعُوِّ فيَبلُغُ داعيَه، وصيغةُ الاستفعالِ تَحملُ دخولَ الفاعلينَ في إجابةٍ مقصودة. واللامُ الأولى تَربطُ الاستجابةَ بالله، والواوُ تَعطفُ الرسولَ تحتَ اللامِ نفسها، فهي لامٌ واحدةٌ تَجمعُ الجهتَينِ في استجابةٍ واحدة، ويَقعُ الجوابُ لله والرسولِ معاً في تركيبٍ واحدٍ لا يَقسِمُه.

«مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ»: الترتيبُ يَجعلُ الجوابَ لاحقاً للجرح

وتُقيمُ «من بعد» ترتيباً صريحاً: الاستجابةُ وقعت بعدَ أن أصابَهم القرح. والموصولُ «ما» يَحملُ جملةَ الإصابة، و«القرح» فاعلُها. وأصلُ ق-ر-ح عقدٌ يَجري نافذاً ثمّ يَدخُلُ احتواءً باطناً، فالقرحُ يَحمِلُ أثراً جارحاً وصلَ إليهم. والتعريفُ فيه يَجعلُه أثراً معهوداً بينَ المخاطَبِ والمخاطَبين، أي جُرحاً واحداً يَعرِفونَه بوقوعِه عليهم. وقوّةُ العبارةِ في أنّ الإصابةَ السابقةَ لم تَمنعِ الفعلَ اللاحقَ المسمّى استجابة.

«لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ»: الوَعدُ مَحفوظٌ للمُحسِنينَ منهم

وقد تَقدّمَ الجارُّ والمجرورُ «للذين» على الخبرِ المتأخّرِ «أجر». وصلةُ الموصولِ الأوّلِ فعلُ «أحسنوا»، والإحسانُ من ح-س-ن، وهو احتواءٌ يَدخُلُ مجرىً دقيقاً ثمّ يَنبعثُ منه إلى الخارج، فيَحمِلُ فعلاً حسناً نافذاً. و«منهم» تبعيضيّةٌ تُخرِجُ أصحابَ الصفتينِ من داخلِ الجماعةِ المستجيبة، فالأجرُ لا يُوزَّعُ آليّاً على كلِّ مَن شملَه الموصولُ الأوّلُ بلا شرطِ الإحسانِ والتقوى.

«وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ»: الإحسانُ والوِقايةُ يَفتَحانِ الأَجر

والواوُ تَعطفُ «اتقوا» على «أحسنوا»، فيَصيرُ الفعلانِ شرطَين متلازمينِ في صلةِ الموصول. والتقوى من و-ق-ي، وأصلُه عقدٌ يَلتئمُ في العمقِ ثمّ يمتدُّ ساتراً صاحبه، وصيغةُ الافتعالِ تُدخلُ الفاعلَ في حفظٍ عامد. ثمّ جاء الخبرُ «أجر» نكرةً، ووصفُ «عظيم» يَرفعُ كثافتَها، فتَظهرُ عظمةُ الجزاءِ نتيجةً للإحسانِ والتقوى.


حَصيلة

تَصفُ الآيةُ الذين استجابوا لله والرسول بعدَ أن وصلَ إليهم القرح، فتَجعلُ الاستجابةَ فعلاً تالياً للجرح، ثمّ يأتي وعدُ الأجرِ مضبوطاً بحدّين: «منهم» تَحفظُ التبعيض، وصلتا «أحسنوا» و«اتقوا» تُعيّنانِ الفئةَ من داخلِ المستجيبين. والماضي يَحفظُ وقوعَ الاستجابةِ والإحسانِ والتقوى، ووصفُ الأجرِ العظيمِ يَفتحُ نتيجةً ثابتةً لهذين الشرطَين، وبذلك تَسيرُ الحركةُ من إصابةٍ إلى استجابةٍ ثمّ إلى إحسانٍ وتقوى وأجر.