آل عمران · الآية 170

﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

«فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ»: الفَرَحُ يَخرُجُ من الفَضل

يَبدأُ النصُّ باسمِ فاعلٍ منصوبٍ على الحالِ من الأحياءِ المذكورينَ قبله: فرحين. الفرحُ من ف-ر-ح شقٌّ يَفتحُ ويَجري ثمّ ينفذُ خارجاً، فيَحملُ سعةً تظهر. و«فرحين» يَعرضُ الأحياءَ قائمينَ بهذه السعة، ثمّ تَربطُهم الباءُ بـ«ما آتاهم الله» ويَردُّ «من فضله» مبدأَ العطاءِ إلى الفضلِ الإلهي.

«وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ»: البِشارةُ تَمتَدُّ إلى مَن خَلفَهم

تَعطفُ الواوُ مضارعاً مسنداً إلى الجماعة: يستبشرون. البشارةُ من ب-ش-ر اتصالٌ يَدخلُ انتشاراً ثمّ يَجري أثرُه نافذاً، وصيغةُ الاستفعالِ تَحملُ تلقّي البشرِ وطلبَ ظهوره. والباءُ تَصلُ الاستبشارَ بالموصولِ «الذين»، فتَمتدُّ فرحةُ الأحياءِ نحوَ آخرينَ تُعرّفُهم صلتُهم: موقعُهم خلفَ الجماعةِ الأولى وانتظارُ لحاقهم بها.

«لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ»: المَسافةُ باقِيةٌ لم تُغلَق

تَنفي «لم» وقوعَ اللحاقِ إلى زمنِ الكلام. اللحاقُ من ل-ح-ق تعلّقٌ يَدخلُ احتواءً باطناً ثمّ يَنعقدُ في العمق، فيَحملُ وصولَ اللاحقِ إلى السابق. والباءُ تَربطُ مَن تأخرَ لحاقُهم بالجماعةِ الأولى، و«من خلفهم» يَجعلُ جهتَهم وراءها. فالصلةُ تَعرضُهم في مسارٍ لم يَكتمل وصولُه بعدُ وتَجعلُ استبشارَ السابقينَ متعلقاً بهم.

«أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ»: مضمونُ الاستبشارِ يَنفي الخوف

تُفسَّرُ البشارةُ بأن لا خوفٌ عليهم. الخوفُ من خ-و-ف اختراقٌ يَنعَقِدُ في احتواءٍ ثمّ يَفتحُ شقّاً للخروج، فيَحمِلُ توقّعاً يَنفذُ إلى الداخل. جاءت «لا» نافيةً للجنسِ مع اسمٍ نكرة، فتَنفي جنسَ الخوفِ عنهم في مضمونِ البشارة. الضميرُ يعودُ إلى الذين لم يلحقوا، ولا يُحوَّلُ النفيُ إلى وصفٍ لمشهدٍ أو سببٍ غيرِ مذكور. حرفُ «عليهم» يَرفعُ وقوعَ الخوفِ فوقَهم.

«وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»: الحُزنُ لا يَدخُلُ عليهم

تَعطِفُ الواوُ نفياً ثانياً، ويَسبقُ الضميرُ الفعلَ المضارع: ولا هم يحزنون. الحزنُ احتواءٌ باطنٌ يَتضاغطُ في مَضيق ثمّ يَحتبسُ في الجوف، فيَحمِلُ ألماً داخليّاً. تقديمُ «هم» يُثبِتُ مرجعَ النفي، والمضارعُ يَحملُ إمكانَ التجدّدِ الذي تَنفيه الجملة. الخوفُ والحزنُ ليسا لفظاً واحداً: الأوّلُ منفيٌّ اسماً عن الوقوعِ عليهم، والثانيُ منفيٌّ فعلاً عن صدورِه منهم.


حَصيلة

تَصفُ الآيةُ الأحياءَ فرحينَ بما آتاهم الله من فضلِه، فتَجعلُ الفرحَ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً وعِلّتَه عطاءً غيرَ مسمّى. ويَتّسعُ حالُهم إلى استبشارٍ بالذين لم يَلحقوا بهم من خلفِهم، من غيرِ اسمٍ أو عددٍ أو سببِ تأخّر. مضمونُ البشارةِ نفيانِ دقيقان: لا خوفٌ عليهم، ولا هم يَحزنون. يَحفظُ الأوّلُ جنسَ الخوفِ بعيداً عنهم، ويَحفظُ الثاني فعلَ الحزنِ منفيّاً عنهم، بلا إضافةِ مشهدٍ أو موعد.