آل عمران · الآية 190

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ

«إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: الخَلقُ مَيدانُ الآيات

تَفتحُ «إنّ» جملةً مؤكَّدة، ويتقدّمُ خبرُها الجارُّ والمجرورُ «في خلق» قبلَ اسمِها الآتي. الخلقُ من خ-ل-ق اختراقٌ يَتعلّقُ بالمَحلِّ ثمّ يَنعقدُ في العمق، فيَحملُ إيجاداً مقدَّراً متماسكاً. وهو مضافٌ إلى السماواتِ جمعاً، ثمّ تُعطفُ الأرضُ مفردةً، فيَدخلُ المذكورانِ معاً تحتَ «في». بهذا التركيبِ يصيرُ الخلقُ الجامعُ للسماواتِ والأرضِ نفسَه ميدانَ النظر: إيجاداً مقدَّراً تتّسعُ جهاتُه ويَتماسكُ عقدُه. يَقفُ القارئُ عندَ هذه العلاقةِ الملفوظة، فيَقرأُ اجتماعَ العلوِّ والأرضِ تحتَ خلقٍ واحد.

«وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ»: تَعاقُبُ الليلِ والنهارِ داخِلُ المَيدان

تَعطفُ الواوُ «اختلاف» على «خلق»، فيَصيرُ متعلَّقاً ثانياً لحرفِ «في». الاختلافُ من خ-ل-ف اختراقٌ يَتعلّقُ ثمّ يَفتحُ مجرى نافذاً يُباعدُ بينَ جهتين، فيَحملُ تغايراً وتعاقباً يَخلفُ فيه أحدُهما الآخر. وأُضيفَ الاختلافُ إلى الليل، ثمّ عُطفَ النهارُ عليه، فالعلاقةُ بينَ الاسمينِ هي المسمّاةُ: ليلٌ ونهارٌ يَتغايرانِ ويَخلُفُ أحدُهما الآخر. هكذا يَنضمُّ التعاقبُ إلى الخلقِ ميداناً ثانياً للعلامة، ويَبقى ترتيبُ الاسمينِ وعلاقتُهما هو بابَ القراءة.

«لَآيَاتٍ»: الدَّلالاتُ تَتكاثَر

تدخلُ اللامُ المزحلقةُ على اسمِ «إنّ» المؤخَّرِ فتُضاعفُ التوكيد: لآيات. وجاءَ الاسمُ جمعاً منكَّراً منصوباً، فيَثبتُ تعدّدُ الآياتِ واتّساعُها. الآيةُ علامةٌ تُحيلُ من ظهورِها إلى ما تَدلُّ عليه، والجمعُ يَفتحُ في الخلقِ والاختلافِ وجوهاً متكاثرةً للقراءة. فالسماءُ والأرضُ تحتَ خلقٍ واحد، والليلُ والنهارُ في اختلافٍ متّصل، ومن هاتينِ العلاقتينِ تَنبثقُ علاماتٌ يَتجدّدُ تلقّيها.

«لِّأُولِي الْأَلْبَابِ»: أَصحابُ اللُّبِّ يَتَلَقَّونَ العلامات

تتعلّقُ اللامُ الأخيرةُ بـ«آيات»، فتَجعلُ لها جهةَ تلقٍّ: لأولي الألباب. «أولو» اسمٌ للجمعِ بمعنى أصحاب، وهو مضافٌ إلى «الألباب» جمعاً. اللُّبُّ من ل-ب-ب تعلّقٌ يَتَّصلُ ويَتمسّك، ثمّ تُعيدُ الباءُ المضعَّفةُ الاتصالَ والإمساكَ فتَحملُ خالصَ الشيءِ المتماسكَ في داخله. فهؤلاءِ أصحابُ مراكزَ داخليّةٍ تجمعُ العلاماتِ المتفرّقةَ وتَمسكُ صلتَها. الدلالةُ مبثوثةٌ في الخلقِ والاختلاف، واللُّبُّ هو جهةُ التلقّي التي تَجمعُ كثرتَها في فهمٍ متماسك.


حَصيلة

تُحكِمُ الآيةُ جملتَها بتوكيدَين: «إنّ» في البدء، واللامُ مع «آيات» في القلب. وبينهما تَضعُ مجالَينِ للدلالة: خلقَ السماواتِ والأرض، واختلافَ الليلِ والنهار. ثمّ تَصلُ كثرةَ العلاماتِ بجهةِ تلقّيها: أولي الألباب. هكذا يَسيرُ النظمُ من خلقٍ يَجمعُ العلوَّ والأرض، ومن تعاقبٍ يَجمعُ الليلَ والنهار، إلى لبٍّ يَتماسكُ لقراءتِهما. العلاقاتُ الملفوظةُ تَكفي لفتحِ النظرِ الذي ستَصفُه الآيةُ التالية.