آل عمران · الآية 67

﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

«مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ»: المَنعُ يَقَعُ على النِّسبةِ لا على الوُجود

تَبدأُ الآيةُ بـ«ما كان»، ثمّ تَذكُرُ إبراهيمَ اسماً صَريحاً. والكَونُ من ك-و-ن، وأصلُه إمكانٌ مَمسوكٌ يُحبَسُ في باطِن، ثمّ يَنبَعِثُ إلى حالٍ ظاهِرة. والنَّفيُ واقِعٌ على الخَبَرِ الذي سيأتي بعدَه، لا على وُجودِ إبراهيم، فقد أُثبِتَ اسمُه وجُعِلَ موضوعَ الجُملة. وبهذا تَضبِطُ «كان» النِّسبةَ في حالٍ ماضِية، وتَدخُلُ «ما» لِتَمنَعَ إسنادَ صِفةٍ إليه، وتَكرارُ «كان» لاحقاً سيَجعَلُ الآيةَ ميزانَ نَفيٍ وإثبات، لا سَرداً لتاريخٍ خارِجِ ألفاظِها.

«يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا»: اسمانِ مَذكورانِ تَسقُطُ نِسبتُهما إلى إبراهيم

وتُسَمّي الآيةُ الخَبَرَينِ اللذينِ تَنفيهما: «يهوديّاً» و«نصرانيّاً»، ووجودُ الاسمينِ في النَّصِّ يُجيزُ قِراءتَهما هُنا، غَيرَ أنّه لا يُجيزُ تَحويلَهما إلى حُكمٍ عِرقيٍّ على أُناسٍ أو إلى تَفصيلٍ تاريخيٍّ لم تَذكُره الجُملة. والواوُ و«لا» تَجمعانِ النَّفيَينِ تحتَ «ما كان»، فلا يَقومُ أحدُ الخَبَرَينِ بديلاً من الآخَر. ومَوضوعُ الحُكمِ واحدٌ هو إبراهيم، والآيةُ تَرفُضُ إسنادَ كلِّ اسمٍ إليه، ولا تَصِفُ كلَّ مَن يَحمِلُ الاسمَ بصفةٍ أُخرى.

«وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا»: المَوضِعُ الفارِغُ يُملأُ بوِجهةٍ وتَسليم

وتَستدركُ «لكن» بعدَ نفيِ الاسمينِ بخبرينِ مثبتين. والحنيفُ من ح-ن-ف، ومادّتُه احتواءٌ يَضيقُ في الباطنِ ثمّ يَنبعثُ إلى الخارج، والفاءُ تَفصلُ وجهتَه عن الجهاتِ المزاحمة. و«مسلماً» تَجعلُ س-ل-م طريقاً يَسري متعلّقاً بوجهته حتى يَلتئمَ صاحبُه في سلامةِ التسليم، واسمُ الفاعلِ يَعرضُ هذه الحالَ قائمةً به. والخبرانِ متجاوران: وجهةٌ تستقلُّ، وحالٌ تَسلمُ بتسليمها.

«وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»: نَفيُ الانتِسابِ يُغلِقُ البِنية

وتَعودُ الواوُ إلى «ما كان»، غَيرَ أنّ الخَبَرَ هذه المرّةَ يَأتي مع «من»: لم يَكُن من المُشركين. والشِّركُ من ش-ر-ك، ومَدارُه على حَيِّزٍ يَضمُّ أَمراً ويُجريه، ثمّ يُدخِلُ فيه جِهةً أُخرى ويُمسِكُها داخِلَه، و«المشركين» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الإشراكَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في الجَمعِ المَذكور. و«من» تَنفي أن يكونَ إبراهيمُ فَرداً داخِلَ هذا الجَمع، فتَزيدُ على نَفيِ الخَبَرِ نَفيَ الانتِساب. والخاتِمةُ مُتَّصِلةٌ بالحَنيفيّةِ والتَّسليم: استقلالُ الوِجهةِ يَمنَعُ إدخالَ شريك، والتَّسليمُ يَجمَعُها على مَصدَرِها.


حَصيلة

تَبني الآيةُ تعريفَ إبراهيمَ من نَفيَينِ واستِدراكٍ وخاتِمة: تَنفي عنه اسمَينِ ذَكَرَتهما صَراحةً من غيرِ أن تَستَخرِجَ منهما حُكماً عِرقيّاً، ثمّ تُثبِتُ له حَنيفاً ومُسلماً، أي وِجهةً تَفصِلُ نَفسَها عن المُزاحِم، وتَسليماً يَجري حتى يَجتَمِعَ في سَلامة، وبعدَ الإثباتِ تَنفي انتِسابَه إلى المُشركينَ بوَصفِهم حامِلي طبيعةٍ فاعِلة. فإبراهيمُ يُعرَفُ في الآيةِ بالصِّفاتِ التي أثبَتَها النَّصُّ وبما نَفاه عنه، ولا يُعرَفُ بامتِلاكِ جَماعةٍ له.