آل عمران · الآية 68
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ»: القُربُ نِسبةٌ تَحتاجُ مِعياراً
تَفتَحُ «إنّ» الجُملةَ بالتَّوكيد، ثمّ تَذكُرُ «أولى الناس» قبلَ أن تُسمّي مَن هُم. «أولى» من و-ل-ي تَحمِلُ عَقداً يُحيطُ بصِلةٍ ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بجِهة، وتَمُدُّ الياءُ هذه الصِّلةَ في سَريانِها. وصيغةُ التَّفضيلِ لا تُثبِتُ مُجرَّدَ قُرب، بل تَطلُبُ الأَقربَ والأَحَقَّ بهذه الصِّلة. والباءُ في «بإبراهيم» تَربِطُ النِّسبةَ باسمِه. بعدَ أن نَفَتِ الآيةُ السّابقةُ عنه تَسميتَين، لا تَترُكُ هذه الآيةُ مَوضِعَه بلا صِلة؛ تُعيدُ تَعريفَ القُربِ منه بمِعيارٍ سيأتي في الخَبَر.
«لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ»: الاتِّباعُ أَوّلُ مِعيارِ القُرب
تَأتي لامُ التَّوكيدِ قبلَ «الذين»، فيَجتَمِعُ توكيدُ الخَبَرِ مع «إنّ» التي افتَتَحَت الجُملة. ثمّ يُعرَّفُ هذا القِسمُ بفِعلِه: «اتبعوه». الاتِّباعُ من ت-ب-ع يَبدأُ بالنواةِ المَجَمَّدةِ «إمساكٌ ضعيفٌ يُفلِتُ ما تَجمَّع»؛ فالعَينُ بَعدَها تُظهِرُ من العُمقِ أَثَراً يُطلَبُ لُحوقُه، فيَكونُ الاتِّباعُ سَيراً في أَثَرٍ سابِقٍ لا قَبضاً على صاحِبِه. وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ الفاعِلَ في حَرَكةِ اللُّحوقِ وقَصدِها. والضَّميرُ يَعودُ إلى إبراهيم، فالقُربُ لا يُقاسُ باسمٍ يَدّعيه طَرَف، بل بفِعلٍ يَجعَلُ صاحِبَه يَسيرُ في أَثَرِه.
«وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا»: القائِمةُ تَقومُ على أفعالٍ لا على ألقاب
تَعطِفُ الواوُ «هذا النبي» على الذين اتَّبعوا. اسمُ الإشارةِ يُحضِرُ النبيَّ في مَقامِ الخِطابِ من غيرِ أن تَحتاجَ الآيةُ إلى اسمٍ آخَر، ثمّ يَأتي عَطفٌ ثانٍ: «والذين آمنوا». والإيمانُ من أ-م-ن تَهَيُّؤٌ مَضغوطٌ يَستَقِرُّ في احتِواءٍ داخِليّ، ثمّ يَنفُذُ أَثَرُه من الباطِنِ إلى المَوقِف. وقد جاءَ صِلةً لـ«الذين»، فعُرِّفَ القِسمُ الثالِثُ بفِعلٍ ماضٍ صَدَرَ منه، كما عُرِّفَ القِسمُ الأوّلُ باتِّباعٍ صَدَرَ منه. فالقائِمةُ الثَّلاثيّةُ كلُّها مَبنيّةٌ على أفعالٍ يَحمِلُها أصحابُها، وحتّى النبيُّ الحاضِرُ بالإشارةِ يَدخُلُ بينَ فاعِلَينِ لا بينَ لَقَبَين. وهكذا تَجمعُ القائمةُ بينَ اتِّباعٍ مُسنَدٍ إلى إبراهيم، ونبيٍّ حاضِرٍ بالإشارة، وأُناسٍ عُرِّفوا بفِعلِ الثِّقة.
«وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ»: صِلةُ الناسِ تَنتهي إلى صِلةِ الله
وتَجيءُ الخاتِمةُ بجُملةٍ يُقَدَّمُ فيها اسمُ اللهِ على وَصفِه. «وليّ» من الجِذرِ نَفسِه و-ل-ي الذي حَمَلَ «أولى»، لكنّه هنا اسمُ الصِّلةِ والقُربِ والرِّعاية. فالجِذرُ يَفتَحُ الآيةَ بمُفاضَلةٍ في قُربِ الناسِ من إبراهيم، ثمّ يُغلِقُها بوِلايةِ الله للمؤمنين. و«المؤمنين» اسمُ فاعِلٍ يُقيمُ الثِّقةَ في أصحابِها ما بَقِيَت قائِمةً فيهم، فتَكونُ الوِلايةُ مَوصولةً بفِعلٍ يَتَجَدَّدُ لا بلَقَبٍ يُعطى مَرّةً ويَبقى. لا تَبقى صِلتُهم بإبراهيمَ نِسبةً أُفقيّةً مُنغلِقة؛ تَتَّصِلُ بوَليٍّ يَحمِلُ أهلَ الثِّقةِ برِعايةٍ لا تَنقَطِع.
حَصيلة
تُعيدُ الآيةُ بَناءَ القُربِ من إبراهيمَ بعدَ أن نَفَتْ عنه تَسمياتٍ مُتَأخِّرة. فالأَولى به ليسوا مَن يَرفَعونَ اسماً فحسب، بل الذين اتَّبعوه، وهذا النبيُّ، والذين آمنوا. الاتِّباعُ حَرَكةٌ في الأَثَر، والإيمانُ ثِقةٌ تَنبَعِثُ من الباطن، والإشارةُ تُحضِرُ النبيَّ في المَقام. ثمّ تَجمعُ الخاتِمةُ أوّلَ الجُملةِ بآخِرِها من الجِذرِ نَفسِه: «أولى» تَزِنُ صِلةَ الناسِ بإبراهيم، و«وليّ» تَنسُبُ رِعايةَ المؤمنينَ إلى الله. فمِعيارُ القُربِ فِعلٌ وصِلة، لا امتِلاكٌ اسميّ.