آل عمران · الآية 92
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«لَن تَنَالُوا الْبِرَّ»: الغايةُ مَنفيّةٌ قبلَ شَرطِها
تَفتَحُ «لن» نَفياً يَمتَدُّ إلى الأَمام، ويأتي الفِعلُ جَمعيّاً فيَحمِلُ المخاطَبينَ جميعاً. النَّيلُ من ن-ي-ل احتِواءٌ يَمتَدُّ في لِينٍ وسَريانٍ ثمّ يَتَعَلَّقُ بالمَطلوبِ حتى يَبلُغَه. ومَفعولُه «البر». البِرُّ من ب-ر-ر اتِّصالٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يُضاعِفُ تَكرارُ الراءِ الامتِدادَ والالتِحام، فيَكونُ خَيراً واسعاً يَتَّصِلُ بمَحلِّه. والبِرُّ في الجُملةِ غايةٌ مَنفيُّ بُلوغُها حتّى يَتَحَقَّقَ المِفصَلُ الذي يَأتي بعدَ «حتّى»، فهو مَوقوفٌ على شَرطٍ يَنطِقُ به اللَّفظُ نفسُه لا مَوصوفٌ بأوصافٍ تَسبِقُه.
«حَتَّىٰ تُنفِقُوا»: النِّهايةُ تَصيرُ بابَ البُلوغ
تَصِلُ «حتى» النَّفيَ بغايةٍ ينتهي عندَها: أن يُنفِقوا. النَّفقةُ من ن-ف-ق احتِواءٌ يَنبَعِثُ من الباطنِ إلى الخارِج، ثمّ يَنفُذُ في مَجرىً مُتَّصِلٍ ويَبلُغُ قَطعَه. وصيغةُ الإفعالِ تُخرِجُ الشيءَ من حَوزِ صاحِبِه وتَجعَلُه فاعِلاً في هذا الإخراج. فالمِعيارُ في الجُملةِ هو حُدوثُ الإخراجِ نَفسِه: غايةٌ يَبلُغُها فِعلٌ يَقَع، وهي التي تَفتَحُ طريقَ النَّيلِ المَنفيَّ قَبلَها؛ فالنَّيلُ مُعَلَّقٌ بوُقوعِ هذا الفِعلِ لا بمِقدارِ ما يَخرُجُ فيه.
«مِمَّا تُحِبُّونَ»: البِرُّ يُربَطُ بفِعلٍ يَمَسُّ مَوضِعَ الحُبّ
لا يَقفُ النصُّ عندَ أصلِ الإنفاق؛ «من» تَبعيضيّةٌ تَصِلُه بما يُحِبُّه المخاطَبون. الحُبُّ من ح-ب-ب احتِواءٌ باطِنٌ يَتَّصِلُ بالمَحبوبِ ويَتمَسَّكُ به، ثمّ يُضاعِفُ الحَرفُ المُكَرَّرُ الصِّلةَ ويُحكِمُها. والفِعلُ مضارعٌ يَجعَلُ التَّعَلُّقَ حاضِراً وقتَ الإخراج. لا يَطلبُ اللفظُ إخراجَ كلِّ ما يُحَبّ؛ «مما» تُبقي التَّبعيض، لكنّها تَمنَعُ أن يَنحَصِرَ الإنفاقُ في شيءٍ لا تَعلُّقَ به. البِرُّ يُربَطُ بفِعلٍ يَمَسُّ موضعَ الحُبِّ نفسَه.
«وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ»: العُمومُ يَلتَقِطُ كلَّ مِقدار
تَستأنِفُ الواوُ شَرطاً عامّاً بـ«ما»، وتُعيدُ فِعلَ الإنفاقِ حتى يَبقى هو المَحور. «من شيء» بعدَ العُمومِ تَلتَقِطُ أيَّ شيءٍ يَصدُقُ عليه الإخراج، صغيراً كانَ في نَظرِ صاحِبِه أو كبيراً، فيَستَوي في اللَّفظِ قَليلُه وكَثيرُه. والجَوابُ يَنتَقِلُ إلى إحاطةِ العِلمِ بالفِعل: «فإنّ الله به عليم»، فحِفظُ ما أُنفِقَ مَعقودٌ بعِلمٍ يُحيطُ به. وهكذا يَتَوازَنُ المَقطعان: الأوّلُ يَضبِطُ مَصدَرَ الإنفاقِ فيما يُحَبّ، والثاني يَمنَعُ ضَياعَ أيِّ شيءٍ أُنفِق.
«فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ»: المَجهولُ للناسِ مَعلومٌ بمَصدَرِه
تَربِطُ الفاءُ كلَّ شيءٍ يُنفَقُ بتَوكيدِ «إنّ الله». ويُقَدَّمُ «به» على الخَبَرِ فيَتَّصِلُ العِلمُ بالشيءِ نفسِه. والعِلمُ من ع-ل-م ظُهورٌ من العُمقِ يَتَعَلَّقُ بمَعلومِه ويَجتَمِعُ في علامةٍ مَمسوكة؛ وقد جاءَ هنا بعدَ «به»، فصارَ المَعلومُ هو الشَّيءُ المُنفَقُ عَينَه، مَمسوكاً في العِلمِ كما تُمسَكُ العلامة. و«عليم» صِيغةُ مُبالَغةٍ تَجعَلُ العِلمَ صِفةً راسِخةً واسعةَ الإحاطة. لا يَحتاجُ الإنفاقُ إلى أن يَظهَرَ للآخرينَ كي يَدخُلَ في الجَواب؛ الضميرُ يَعودُ إلى «شيء» ويُثبِتُ أنَّ كلَّ ما صَدَقَ عليه الفِعلُ داخلٌ في العِلم.
حَصيلة
تَضعُ الآيةُ البِرَّ غايةً لا تُنالُ حتى يَحدُثَ الإنفاق، ثمّ تُدقِّقُ مَصدرَه: بعضُ ما يُحِبُّه المخاطَبون. فالحُبُّ صِلةٌ مُحكَمة، والإنفاقُ يُخرِجُ شيئاً من موضعِ هذه الصِّلة، لا من هامِشٍ لا يَمَسُّ صاحِبَه. ثمّ تَفتحُ «ما» العُمومَ لكلِّ شيءٍ يُنفَق، وتَربِطُه الفاءُ بعِلمِ اللهِ الرّاسِخ. هكذا يَتحَرَّكُ النَّظمُ من نَيلِ الغاية، إلى كُلفةِ الإخراج، إلى إحاطةِ العِلمِ بكلِّ أَثَر.