آل عمران · الآية 93

﴿۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ ۗ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

«كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ»: العُمومُ يَسبِقُ الاستِثناء

تَفتَحُ «كل» عُمومَ الطَّعامِ قبلَ أن يَرِدَ أيُّ استِثناء. والطَّعامُ من ط-ع-م، ومَعناه تغطيةٌ تَلتَحِمُ في العُمقِ ثمّ تَجتَمِعُ داخلَ البَدَنِ في قُوتٍ مَمسوك. وخَبَرُ «كان» «حلاً»، والحِلُّ من ح-ل-ل احتِواءٌ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً ثمّ يُضاعِفُ تَكرارُ اللامِ الامتِدادَ حتى تَنفَكَّ العُقدة، فيكونُ الشيءُ غيرَ مَحبوس. والجارُّ «لبني إسرائيل» يَضبِطُ مَن كانَ لهم هذا الحِلّ. والأصلُ الملفوظُ في الآيةِ عُمومٌ يَسبِقُ الاستِثناء، فالحِلُّ العامُّ أوّلاً، ثمّ «إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه»، والتَّرتيبُ نفسُه يَجعَلُ الضِّيقَ فَرعاً على السَّعةِ، لا أصلاً لها.

«إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ»: الاستِثناءُ فِعلٌ ذاتيٌّ مَحدود

و«إلا» تَفتحُ نطاقاً يَخرجُ من «كل الطعام»، والاسمُ الموصولُ يُعرّفُ المستثنى بفعلِه وفاعله ومحلّه: حرّمَ إسرائيلُ على نفسه. ومادّةُ ح-ر-م احتواءٌ باطنٌ يجري مسترسلاً ثمّ يجتمعُ في حدٍّ ممسوك، ووزنُ التفعيلِ يُكثّفُ إحداثَ المنع. وأمّا «على نفسه» فتَحجزُ الفعلَ في صاحبه، وتَجعلُ الاستثناءَ شخصياً محدوداً.

«مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ»: الزَّمنُ يَفصِلُ الفِعلَ عن الإنزال

وجاءَ «من قبل» ليَجعلَ التَّحريمَ الذاتيَّ سابقاً لإنزالِ التوراة. والنُّزولُ من ن-ز-ل احتِواءٌ باطِنٌ يَجري نافِذاً ثمّ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بمَحلِّ الوُصول. وصيغةُ التَّفعيلِ في «تُنَزَّل» تَحمِلُ شِحنةً مُلازِمةً ومُتَكَرِّرةً للإنزال، غيرَ أنّ الفِعلَ مبنيٌّ للمجهولِ لأنَّ مِحورَ الجُملةِ هو التَّرتيبُ الزَّمني. و«من قبل» وحدَها تَحمِلُ هذا التَّرتيب، فالتَّحريمُ الذاتيُّ وَقَعَ أوّلاً، والتَّوراةُ نَزَلَت بعدَه، ويَبقى الاستِثناءُ المذكورُ مَنسوباً إلى فاعِلِه في زَمَنِه.

«قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا»: الدَّعوى تُرَدُّ إلى الكتاب

ويَقطعُ «قل» الوصفَ بأمرٍ يُنشئُ اختباراً، والفاءُ الأولى تَطلبُ إحضارَ التوراة، والباءُ تَصلُ المجيءَ بها إلى مقامِ الحجة، ثمّ تأتي الفاءُ الثانيةُ بأمرِ التلاوة. وأصلُ ت-ل-و لِقاءٌ دَقيقٌ يَعقُبُه لِقاءٌ ويَتَّصِلُ بِه، فتَصيرُ القراءةُ تتابعاً مسموعاً يَكشفُ الكتابَ من داخله. والضميرُ عائدٌ إلى التوراةِ ذاتها، فتَجتمعُ الحجةُ في كتابٍ يُحضَرُ ثمّ يَنطقُ به قارئُه.

«إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ»: الصِّدقُ يُقاسُ بفِعلِ الإحضارِ والتِّلاوة

و«إن» تَجعلُ الأمرَينِ اختباراً مشروطاً بصدقِ المخاطبين. والصدقُ من ص-د-ق، وهو إمساكٌ صلبٌ يثبتُ تحتَ ضغطٍ ثمّ يَخرجُ في حكمٍ فاصل. و«صادقين» تَعرضُ أصحابَ الصدقِ قائمينَ به، وتَربطُ الصفةَ بعملٍ قابلٍ للمشاهدة، وهو الإتيانُ بالكتابِ وتلاوتُه، وبذلك يَنتقلُ النزاعُ من دعوى إلى نصٍّ يُحضَرُ ويُسمَع.


حَصيلة

تَبدأُ الآيةُ بعمومِ حلِّ الطعامِ لبني إسرائيل، ثمّ تُخرجُ استثناءً تُعرّفه بأنّ إسرائيلَ حرّمه على نفسه، ويَفصلُ «من قبل» هذا الفعلَ عن إنزالِ التوراةِ اللاحق. ثمّ تَنقلُ «فأتوا بالتوراة فاتلوها» البرهانَ إلى كتابٍ يُحضَرُ وصوتٍ يُسمَع، فيُختبرُ وصفُ الصدقِ بالفعلِ الظاهرِ بدلاً من تكرارِ الدعوى.