العاديات · الآية 11

﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِم يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ رَبَّهُم بِهِم يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ

«إنَّ … لَ …»: التَّوكيدُ الذي يَختِمُ السورَة

تَأتي «إنَّ» مَرَّةً ثالِثَةً في خاتِمَةِ السورَة، وَ«اللام» في «لَخَبير» مَرَّةً ثالِثَة. السِّتُّ، السابِعَةُ، الثامِنَةُ، وَالحاديَةَ عَشرَة كُلُّها بِنَفسِ التَّركيبِ المُؤَكَّد. كَأَنَّ السورَةَ تَجمَعُ آياتِها التي تَتَكَلَّمُ عَنِ الإنسانِ والرَّبِّ في إطارٍ واحِد: «إنَّ … لَ …». ثَلاثُ آياتٍ تَصِفُ الإنسان (كَنود، شاهِد، شَديدوَآيَةٌ واحِدَةٌ تَصِفُ الرَّبَّ (خَبير). أَربَعُ نُقُشاتٍ بِنَفسِ النَّقشِ البَلاغيّ.

وَفي ذَلكَ تَوازُنٌ بَلاغيٌّ مَقصود. الإنسانُ ثَلاثَةٌ مِن وَجهٍ، وَالرَّبُّ واحِدٌ مِن وَجه. وَالكَلِمَةُ التي تَختِمُ السورَةَ هي التي تُغلِقُ الدائِرَةَ على ثَلاثَةِ أَوجُهِ الإنسان. كَنود؟ الرَّبُّ خَبير. شاهِدٌ على نَفسِه؟ الرَّبُّ خَبير. شَديدُ الحُبِّ لِلخَير؟ الرَّبُّ خَبير. الكَلِمَةُ الواحِدَةُ تَردُّ على الثَّلاثَةِ بِغَيرِ تَفصيل.

«رَبَّهُم»: التَّربيَةُ التي تُنبِّئُ بِالخِبرَة

الكَلِمَةُ نَفسُها تَكَرَّرَت. في الآيَةِ السادِسَةِ كانَ «الإنسانُ لِرَبِّه لَكَنود». الرَّبُّ هُناكَ مَوصوفٌ بِأَنَّه رَبَّى. والآنَ، في الآيَةِ الأَخيرَة، «إنَّ رَبَّهُم». نَفسُ الكَلِمَة، نَفسُ الجِذر، نَفسُ المَعنى. الذي رَبَّى في الدنيا هو الذي يَخبُرُ في الآخِرَة. التَّربيَةُ تَنطَوي على الخِبرَة. مَن رَبَّى شَيئاً عَرَفَه. الفَلّاحُ الذي زَرَعَ الأَرضَ يَعرِفُها. وَالذي رَبَّى الإنسانَ يَعرِفُه. الكُنودُ الذي وَصَفَتهُ السورَةُ في الآيَةِ السادِسَةِ يَكونُ قَد وَقَعَ في وَجهِ مَن يَعرِفُه. لا فُرصَةَ لِلتَّخفّي.

وَ«هم» الضَّميرُ الجَمعُ يَعودُ على «ما في القُبور» وَ«ما في الصُّدور». بَعدَ أَن صارَ الإنسانُ «ما» في الآيَةِ التاسِعَةِ والعاشِرَة، يَستَردُّ هُنا ضَميرَ العاقِلِ الجَمع: «هم». كَأَنَّ التَّحصيلَ ذاتَه أَعادَ إلَيهِم تَعَيُّنَهُم. كانوا «ما» تَحتَ التُّرابِ، صاروا «هُم» في يَومِ المَحاسَبَة. والرَّبُّ خَبيرٌ بِهِم لا بِغَيرِهم.

«بِهِم»: التَّقديمُ الذي يَخصِّصُ الخِبرَة

تَقديمُ «بِهِم» على الخَبَرِ في النَّحو يُفيدُ التَّخصيص. لَو قِيلَ «إنَّ رَبَّهُم لَخَبيرٌ بِهِم» لَكانَ المَعنى مَوزوناً. لَكِن «إنَّ رَبَّهُم بِهِم يَومَئذٍ لَخَبير»، بِتَقديمِ «بِهِم» على الخَبَر، يُلقي الضَّوءَ على المَفعول: الخِبرَةُ بِهِم تَحديداً. لَيسَ خَبيراً بِالعالَمِ بِشَكلٍ عامّ، وَلا بِالأَنبياءِ والصَّالِحين، وَلا بِالمَلائِكَة. هو خَبيرٌ بِهِم، أَي بِأَولَئكَ الذينَ بُعثِرَتْ قُبورُهم وَحُصِّلَ ما في صُدورِهم.

وَهذا التَّخصيصُ يُغلِقُ المَنفَذَ الأَخيرَ. لا قَولَ: «الرَّبُّ مَشغولٌ بِأَكبَرَ مِنّا». لا قَولَ: «الرَّبُّ يَعرِفُ الكَونَ كُلَّه، فَلَن يَنشَغِلَ بِنا». الآيَةُ تَجعَلُ الخِبرَةَ بِهِم بِالذَّاتِ، لا بِالكَونِ على الإطلاق. كُلُّ واحِدٍ مِنهُم مَعروفٌ في يَومِه بِما هُوَ هُوَ.

«يَومَئذٍ»: الظَّرفُ الذي يُحَدِّدُ المَوعِد

«يَومَئذٍ» يَومٌ مَخصوص، اليَومُ المَذكورُ في الآيَتَين السابِقَتَين، يَومُ البَعثَرَةِ والتَّحصيل. الخِبرَةُ بِهِم في ذَلكَ اليَومِ بِالذَّات. لَيسَ مَعنى الآيَةِ أَنَّ الرَّبَّ ما كانَ خَبيراً قَبلَ ذَلكَ. هو خَبيرٌ في كُلِّ يَوم. لَكِنَّ الآيَةَ تُذَكِّرُ بِالخِبرَةِ في يَومٍ واحِدٍ بِالذَّات، لِأَنَّه اليَومُ الذي تَلتَقي فيه الخِبرَةُ بِالحُكم. الإنسانُ كانَ يُكشَفُ في كُلِّ ساعَة، لَكِنَّه لا يُحاسَبُ إلّا في ساعَةٍ واحِدَة. وَفي تِلكَ الساعَة، الخِبرَةُ مُفَعَّلَةٌ بِكُلِّ ثِقَلِها.

«خَبير»: المَعرِفَةُ مِن داخِل، لا مِن خارِج

الجِذرُ (خ ب ر) في العَرَبيَّةِ يَدُلُّ على المَعرِفَةِ بِالنُّفوذ. مِنه «الخِبرَة» = مَعرِفَةٌ بِالتَّجرِبَةِ والمُمارَسَة، لا بِالنَّظَر. وَ«اختَبَرَ» = نَفَذَ في الشَّيءِ ليَعرِفَه مِن باطِنِه. وَ«خَبَرَ الأَرضَ» = عَرَفَها بِسَيرٍ فيها. كُلُّها صورَةٌ واحِدَة: مَعرِفَةٌ تَأتي مِنَ الدُّخولِ في الشَّيء، لا مِن مُلاحَظَتِه مِن خارِج. وَ«خَبير» على وَزنِ فَعيل: الصِّفَةُ الراسِخَة. هو الذي يَعرِفُ بِالنُّفوذِ مَعرِفَةً ثابِتَة.

وَالفَرقُ بَينَ «عَليم» وَ«خَبير» دَقيق. «عَليم» مِن (ع ل م) يَدُلُّ على المَعرِفَةِ بِالعَلامَةِ والإحاطَة. «خَبير» مِن (خ ب ر) يَدُلُّ على المَعرِفَةِ بِالنُّفوذِ في الباطِن. اللهُ مَوصوفٌ بِكِلا الاسمَين، لَكِنَّ السورَةَ هُنا اختارَت «خَبير» لِأَنَّ المَوقِفَ مَوقِفُ صَدرٍ مَكشوف. ما حُصِّلَ مِنَ الصُّدورِ يَتَلَقّاهُ الذي يَنفُذُ في الصُّدورِ بِنَفسِه. لا حِكايَةَ تُروى عَنه؛ هو يَعرِفُه بِما هو هو.

وَالكَلِمَةُ الأَخيرَةُ في السورَة، إذَن، لَيسَت تَهديداً ولا تَطميناً مُجَرَّداً. هي تَوصيفٌ لِلواقِع. وَفي ذَلكَ نِعمَةٌ مَعَ شِدَّتِه. الذي يَعرِفُكَ مِن داخِلِكَ هو نَفسُه الذي رَبَّاكَ مِن قَبل. مَن رَبَّى، خَبَر. وَمَن خَبَر، عَدَل. السورَةُ تَنتَهي عَلى هذا. وَالقارِئُ يُغلِقُ المُصحَفَ بِكَلِمَةٍ واحِدَةٍ تَحمِلُه مَعَه: خَبير. الذي يَعرِفُني مِن داخِل.


حَصيلة

تَختِمُ السورَةُ بِكَلِمَةٍ واحِدَة، وَتِلكَ الكَلِمَةُ تَردُّ على الجُملَةِ كُلِّها. الآياتُ بَنَت الحُكمَ ثَلاثاً، بَعثَرَت، حَصَّلَت. ثُمَّ هذا الاسمُ الأَخيرُ يُسَمّي الذي يَعلَمُ: «إنَّ رَبَّهُم بِهِم يَومَئذٍ لَخَبير». وَتَأتي «إنَّ» مَرَّةً ثالِثَة، وَ«اللام» في «لَخَبير» مَرَّةً ثالِثَة، وَتَقديمُ «بِهِم» يُخَصِّصُ الخِبرَةَ بِهِم تَحديداً. نَفسُ الإطارِ المُؤَكَّدِ الذي جَمَعَ وَصفَ الإنسانِ في السادِسَةِ والسابِعَةِ والثامِنَة، يَجمَعُ الآنَ وَصفَ الرَّبّ.

اختيارُ «خَبير» لا «عَليم» مَقصود. جِذرُ (خ-ب-ر) يَدُلُّ على المَعرِفَةِ بِالنُّفوذِ في الباطِن، لا بِالمُلاحَظَةِ مِنَ الخارِج. «خَبَرَ الأَرضَ» يَعني عَرَفَها بِسَيرٍ فيها. و«الخِبرَة» مَعرِفَةُ الصانِعِ بِصَنعَتِه مِن داخِلِها. وَلَمّا كانَ ما يُحَصَّلُ مِنَ الصُّدورِ باطِناً، فَالذي يَستَقبِلُه يَعرِفُه بِالنُّفوذِ لا بِالنَّظَر. وَ«خَبير» على وَزنِ فَعيلٍ صِفَةٌ راسِخَةٌ دائِمَة. وَالضَّميرُ «هُم» يَستَردُّ الشَّخصِيَّةَ بَعدَ أَن كانَ الإنسانُ «ما» تَحتَ التُّرابِ في الآيَتَينِ السابِقَتَين.

وَكَلِمَةُ «رَبَّهُم» تَعودُ بِالحَلقَةِ إلى مَطلَعِها. الآيَةُ السادِسَةُ قالَت: الإنسانُ «لِرَبِّه لَكَنود». وَالآيَةُ الأَخيرَةُ تَقول: «رَبَّهُم بِهِم لَخَبير». الجِذرُ (ر-ب-ب) نَفسُه في الطَّرَفَين: مَن رَبَّى عَرَف. السورَةُ بَدَأَت بِالخَيلِ التي تَعرِفُ راكِبَها، وَتَنتَهي بِالرَّبِّ الذي يَعرِفُ مَن رَبّاه. وَالإنسانُ في الوَسَطِ وَحدَه لا يَعرِفُ مَن رَبّاه. الدائِرَةُ تَنغَلِقُ عَلى هذه النُّقطَةِ بِالضَّبط.