العاديات · الآية 10

﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ

«وَحُصِّلَ»: التَّفعيلُ الذي يُكَثِّفُ الفِعل

الجذرُ (ح ص ل) يَدُلُّ على الحُصولِ والاستِخلاص، ومِنه «المَحصول» في الزَّرع، وهو ما يُجمَعُ بَعدَ الحَصاد، أي ثَمَرَةُ ما عُمِلَ في الأَرضِ طُولَ الفَصل. وَمِنه «حَصَّل» بِالتَّضعيف، أي استَخلَصَ ما يُمكِنُ أَن يُستَخلَصَ كامِلاً، ونَقّى ما يَخفى مَعَ ما يَظهَر. ووَزنُ التَّفعيلِ هُنا (حُصِّل، لا حُصِل) يُفيدُ الكَمالَ في الفِعل، فلا يَبقى مِنَ الباطِنِ شَيءٌ خارِجاً عَنِ الاستِخلاص.

وَالعَجَبُ أَنَّ المَجازَ هُنا زِراعِيّ: فالصُّدورُ كَأَنَّها أَرضٌ زُرِعَت طُولَ العُمر، وَيَومُ القِيامَةِ يَومُ الحَصاد، وما زَرَعَه الإنسانُ في صَدرِه يُحَصَّل: حُبُّ خَيرٍ بِشِدَّة، وحِقدٌ مَكنون، ونِيَّةٌ صالِحَةٌ لَم تَخرُج بَعد، وشُكرٌ مَأخوذٌ في الباطِنِ ولَم يُعلَن، وكُلُّ ذلك يُجمَعُ ويُستَخلَص.

«ما في الصُّدور»: المَكنونُ الذي لا يَعرِفُه أَحَدٌ سِوى صاحِبِه

و«ما» مَوصولٌ يَجمَعُ ما يَصدُقُ عَلَيه الوَصف، وَ«الصُّدور» جَمعُ صَدر، وَالصَّدرُ في القُرآنِ يَدُلُّ على مَوضِعِ السِّرّ، حَيثُ تَجِدُ النَّفسُ ما تُكِنُّ ولا تُبدي. وَهذا الكَنزُ المَدفونُ في الصَّدر، الذي لا يَعرِفُه إلّا اللهُ والمَرءُ نَفسُه، هو ما يُحَصَّلُ في يَومِه.

وَالبَقَرَةُ تَنطِقُ بِهذا المَعنى صَريحاً: إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾، ولا فَرقَ في يَومِها بَينَ ما أُبدي وَما أُخفي، فالإبداءُ والإخفاءُ كانا فَرقاً في الدُّنيا، أمّا في يَومِ التَّحصيلِ فَكُلٌّ مِنهُما يُجمَع. وكانَ الإنسانُ يَستَتِرُ بِما يُخفي، ظانّاً أَنَّ ما لا يَراهُ النّاسُ لا يَكتُبُه أَحَد، والسّورَةُ تُقَرِّرُ أنَّ ما تَحتَ التُّرابِ يَخرُج، وَأنَّ ما تَحتَ الأَضلاعِ يَخرُج، والتُّرابُ والصَّدرُ كِلاهُما يَفقِدُ صَلاحيَّةَ السَّتر.

التَّناظُرُ بَينَ القُبورِ والصُّدور

والآيَتانِ التّاسِعَةُ والعاشِرَةُ مَبنيَّتانِ على تَناظُرٍ بَلاغيٍّ دَقيق: كُلٌّ مِنهُما تَبدَأُ بِفِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهول، تَتبَعُه «ما» المَوصول، ثُمَّ ظَرفٌ مَكانيٌّ يَدُلُّ على ما يَستُر: بُعثِرَ ما في القُبور، وحُصِّلَ ما في الصُّدور. والقُبورُ والصُّدورُ صورَتانِ مُتَناظِرَتان، كُلٌّ مِنهُما يَستُرُ ما تَحتَه، وَكُلٌّ مِنهُما يَفقِدُ سِترَه في يَومٍ واحِد، والقَبرُ سَترٌ خارِجيّ، وَالصَّدرُ سَترٌ داخِليّ، والإنسانُ يَتَستَّرُ مَرَّتَين: بِالأَرضِ بَعدَ مَوتِه، وَبِأَضلاعِه طُولَ حَياتِه، وكِلاهُما يَنتَهي.

وَالفِعلانِ مُختارانِ بِدِقَّة، فـ«بُعثِرَ» قَلبٌ مَعَ شِدَّة، وَ«حُصِّلَ» استِخلاصٌ كامِلٌ في صورَةٍ مَجموعَة، والأَوَّلُ يَفُكُّ الحَبس، وَالثّاني يَجمَعُ ما فُكَّ في صورَةِ مَحصول. وما تَحتَ التُّرابِ يَنزِلُ بِه القَلب، وَما تَحتَ الصَّدرِ يَجمَعُه التَّحصيل، والإنسانُ يَخرُجُ مِن قَبرِه عاريَ الجَسَد، ثُمَّ يُحَصَّلُ ما في صَدرِه عاريَ السَّريرَة، وهُما كَشفانِ مُتَتالِيان.

وَالقارِئُ الذي قَرَأَ في الآيَةِ السّابِعَةِ أَنَّه شَهيدٌ على نَفسِه يَلتَقي هُنا بِما لا يَستَطيعُ أَن يُنكِرَه، فهو يَعرِفُ ما في صَدرِه، ويَعرِفُ أَنَّ ما في صَدرِه سَيُحَصَّلُ يَوماً. والسّورَةُ لا تَفتَرِضُ هذا، وتُلقي عَلَيه السُّؤالَ في الآيَةِ التّاسِعَة: «أَفَلا يَعلَم»، والجَوابُ في صَدرِه أَيضاً.


حَصيلة

الآيَةُ العاشِرَةُ تَفعَلُ ما فَعَلَتهُ التّاسِعَةُ في طَبَقَةٍ أَعمَق: فالتّاسِعَةُ بَعثَرَتِ القُبور، وهي الخارِجُ الذي يَستُرُ الجَسَدَ بَعدَ المَوت، والعاشِرَةُ تُحَصِّلُ ما في الصُّدور، وهو الدّاخِلُ الذي يَستُرُ النَّفسَ طُولَ الحَياة. والتَّناظُرُ البَلاغيُّ دَقيق: كِلتا الجُملَتَينِ تَبدَأُ بِفِعلٍ مَبنيٍّ لِلمَجهول، يَتبَعُه «ما» المَوصول، ثُمَّ ظَرفٌ مَكانيٌّ بِأَل، والقُبورُ والصُّدورُ سِترانِ مُتَناظِرانِ يَنتَهيانِ في يَومٍ واحِد.

وجِذرُ (ح-ص-ل) زِراعيٌّ في جَوهَرِه، و«المَحصول» ما يُجمَعُ بَعدَ فَصلِ الزَّرعِ عَنِ القَشّ، وَ«حُصِّل» على وَزنِ التَّفعيلِ يُفيدُ الاستِخلاصَ الكامِلَ بِلا بَقِيَّة. والصَّدرُ في هذه الصّورَةِ كَأَرضٍ زُرِعَت طُولَ العُمر، يُجمَعُ ما زُرِعَ فيها مِن نِيَّةٍ وَخاطِرٍ وَسَريرَةٍ كامِلاً. وأصلُ (ص-د-ر) مَوضِعٌ يَختَزِنُ ثُمَّ يُخرِج، والصَّدرُ في عُرفِ القُرآنِ مَوضِعُ السِّرِّ كُلِّه، حَيثُ تَجِدُ النَّفسُ ما تُكِنُّه ولا تُبديه.

وَالبَقَرَةُ تُقَرِّرُ المَبدَأَ بِلَفظٍ صَريح: إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾، ولا فَرقَ في يَومِ التَّحصيلِ بَينَ مُبدىً وَمَكنون. وَاكتَمَلَت هُنا سِلسِلَةُ الكَشفِ في السّورَة: نارٌ مِنَ الحَجَر، وضَوءٌ مِنَ اللَّيل، وغُبارٌ مِنَ الأَرض، وأَجسادٌ مِنَ القُبور، وَأَخيراً مَكنونٌ مِنَ الصُّدور، وكُلُّ طَبَقَةٍ أَعمَقُ مِنَ التي قَبلَها. وَالتَّشخيصُ الذي بَنَتهُ الآياتُ السّادِسَةُ إلى الثّامِنَة، مِن كُنودٍ وشَهادَةٍ على النَّفسِ وشِدَّةِ حُبٍّ لِلمال، هو بِالضَّبطِ ما سَيُحَصَّل، والحَصادُ يَجمَعُ ما كانَ مَزروعاً ولا يَأتي بِجَديد.