طه · الآية 93

﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي

آيةٌ تَحمِلُ ذَيلَ سُؤالٍ ورَأسَ سُؤالٍ آخَر

الآيةُ كَلِماتٌ قَليلة، وفيها سُؤالانِ لا واحِد: أوَّلُهُما ابتَدَأَ في الآيةِ التي قَبلَها ولم يَتِمَّ فيها: مَا مَنَعَكَ﴾، وثانيهِما يَبدَأُ هُنا ويَنتَهي هُنا.

فالآيةُ تُغلِقُ ما فُتِحَ قَبلَها، ثُمَّ تَفتَحُ ما تُغلِقُه بِنَفسِها، والوَقفُ بَينَ الجُملَتَينِ مَرسومٌ في المُصحَف، فهُما مَوصولَتانِ ومُتَمايِزَتان.

«أَلَّا تَتَّبِعَنِ»: نَفيٌ يَقَعُ داخِلَ ما مُنِعَ مِنه

والأداةُ «أن» وقد دَخَلَت عَلَيها «لا»، فالمَذكورُ في مَوقِعِ المَمنوعِ مِنه فِعلٌ مَنفِيٌّ لا فِعلٌ مُثبَت.

والعَرَبِيّةُ تَحتَمِلُ في مِثلِ هذا وَجهَين: أحَدُهُما أنَّ «لا» مَزيدةٌ يَشتَدُّ بِها مَعنى المَنع، فيَكونُ المَعنى: ما مَنَعَكَ أن تَتبَعَني، والآخَرُ أنَّها نافِيةٌ على أصلِها، فيَكونُ المَسؤولُ عَنه الحاجِزَ الذي أقامَ عَدَمَ الاتِّباع. يُعلَنُ الوَجهانِ ولا يُحسَم.

والاتِّباعُ من ت-ب-ع، وهو إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، و«اتَّبَعَ» على وَزنِ افتَعَلَ، وهو وَزنٌ يَرُدُّ الحَدَثَ إلى فاعِلِه فيَكونُ صَنعَتَه، فالمَطلوبُ فِعلٌ يَقومُ بِه المُتَّبِعُ نَفسُه.

وياءُ المُتَكَلِّمِ غَيرُ مَكتوبةٍ في الرَّسم، وبَقِيَت نونُ الوِقايةِ مَكسورةً تَدُلُّ عَلَيها، والرَّسمُ يُقرَأُ كما هو.

«أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي»: سُؤالٌ يُبنى على ما قَبلَه

وفي أوَّلِه هَمزةٌ ثُمَّ فاء، والفاءُ لِلتَّرتيبِ والتَّعقيب، فالسُّؤالُ الثّاني نَتيجةٌ تُستَخرَجُ من الأوَّل، وليسَ استِفهاماً مُبتَدَأً من فَراغ.

والعِصيانُ من ع-ص-ي: ظُهورٌ من عُمقٍ يُطبِقُ صُلباً فيُمسِكُ وِجهَتَه ويَمتَدُّ بِها، ومِنه «استَعصى الأمرُ» إذا صَلُبَ فلم يَنقَدْ، فهو خُروجٌ ثابِتٌ لا زَلَّةٌ عابِرة.

و«أَمْرِي» مُضافٌ إلى ياءِ المُتَكَلِّم، وهي الكَلِمةُ بِعَينِها التي قالَها المَسؤولُ نَفسُه لِقَومِه قَبلَ ثَلاثِ آيات: فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾.

فالذي يُسألُ الآنَ عن اتِّباعٍ وعن أمرٍ هو الذي طَلَبَ الاتِّباعَ وأصدَرَ الأمرَ فلم يُطَع، واللَّفظانِ هُما اللَّفظان، والفَمانِ اثنان، والجِهَتانِ مُتَقابِلَتان.


حَصيلة

آيةٌ قَصيرةٌ فيها سُؤالان: أوَّلُهُما بَدَأَ في الآيةِ قَبلَها ولم يَتِمَّ فيها، وثانيهِما يَبدَأُ ويَنتَهي هُنا. و«أن» دَخَلَت عَلَيها «لا»، فالواقِعُ في مَوقِعِ المَمنوعِ مِنه فِعلٌ مَنفِيّ، والعَرَبِيّةُ تَحتَمِلُ فيه وَجهَين: زِيادةَ «لا» لِتَقوِيةِ المَنع، وبَقاءَها على النَّفي، والوَجهانِ قائِمانِ ولا يُحسَمُ بَينَهُما. والاتِّباعُ من ت-ب-ع إفلاتٌ يَتلوه لَحاقٌ ولُصوق، وصيغةُ افتَعَلَ تَرُدُّ الحَدَثَ إلى صاحِبِه. وياءُ المُتَكَلِّمِ غَيرُ مَكتوبةٍ في الرَّسم، ونونُ الوِقايةِ مَكسورةٌ تَدُلُّ عَلَيها، والرَّسمُ يُقرَأُ كما هو. ثُمَّ هَمزةٌ على فاءِ تَعقيب، فالسُّؤالُ الثّاني نَتيجةٌ تُؤخَذُ من الأوَّل. والعِصيانُ من ع-ص-ي ظُهورٌ يُطبِقُ صُلباً فيُمسِكُ وِجهَتَه ويَمتَدُّ بِها، فهو خُروجٌ ثابِتٌ لا زَلَّةٌ عابِرة. و«أمري» هي الكَلِمةُ التي قالَها المَسؤولُ لِقَومِه قَبلَ ثَلاثِ آيات، فمَن طَلَبَ الاتِّباعَ وأصدَرَ الأمرَ فلم يُطَعْ يُسألُ الآنَ عن اتِّباعٍ وعن أمر، واللَّفظانِ واحِد، والفَمانِ اثنان.