طه · الآية 94

﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي

«يَا ابْنَ أُمَّ»: نِداءٌ يَختارُ الأُمَّ وَحدَها

نودِيَ قَبلَ آيَتَينِ بِاسمِه: يَا هَارُونُ﴾، وهو هُنا يُجيبُ فلا يَرُدُّ اسماً بِاسم، ولا يَقولُ «يا أخي».

على أنَّ الكَلِمةَ الأُخرى كانَت في مُتَناوَلِ السّورةِ ولم تَغِبْ عَنها، فقد جاءَ فيها من قَبلُ هَارُونَ أَخِي﴾، وجاءَ فيها اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ﴾، فالمادّةُ حاضِرةٌ في هذه القِصّةِ لِهذَينِ الاثنَينِ بِعَينِهِما.

وقد عُدِلَ عَنها هُنا إلى الأُمّ، ومَحَلُّ النَّظَرِ أنَّ اللَّفظَينِ مُتاحان، وأنَّ هذا المَوضِعَ اختارَ أحَدَهُما.

والأُمُّ من أ-م-م، وهو أصلٌ مَقصودٌ يَتَجَمَّعُ إلَيه ما خَرَجَ مِنه، فالنِّسبةُ المَذكورةُ نِسبةُ مَخرَجٍ واحِدٍ يَعودُ إلَيه الاثنان.

وياءُ الإضافةِ مَحذوفةٌ من الرَّسم، فجاءَ «أُمَّ» ولم يَجِئْ «أُمِّي»، وبِذلك حُذِفَ حَرفُ المُتَكَلِّمِ من نِداءٍ كُلُّه احتِجاجٌ بِنَفسِه.

«لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي»: كَلِمَتانِ تُقرَآنِ ولا يُصاغُ حَولَهُما مَشهَد

وعُدِّيَ الفِعلُ بِالباءِ في «لا تَأخُذْ بِلِحيَتي»، دونَ «لا تَأخُذْ لِحيَتي»، فدَخَلَتِ الباءُ على الاسم.

والأخذُ من أ-خ-ذ، وهو إطباقٌ يَنفُذُ فيَحوز، والباءُ لِلإلصاق، فصارَ الاسمُ بِها مَقبِضاً يُمسَكُ بِه صاحِبُه، لا شَيئاً يُؤخَذُ وَحدَه.

وأُعيدَت «لا» قَبلَ الثّاني ولم يُكتَفَ بِالواو، فهُما نَهيانِ اثنان، وليسا نَهياً واحِداً مُوَزَّعاً على اسمَين.

والاسمانِ يُقرَآنِ كَلِمَتَينِ في الجُملة، فالآيةُ لم تُخبِرْ بِأنَّ الأخذَ وَقَع، ولم تَصِفْ هَيئةً ولا حَرَكةً ولا مِقداراً، وإنَّما حَكَت نَهياً نُطِقَ بِه، وما وَراءَ النَّهيِ خارِجٌ عن لَفظِ الآية.

«إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ»: الخَوفُ يَقَعُ على قَولٍ لا على حادِثة

والخَشيةُ من خ-ش-ي: نُفوذٌ يَنتَشِرُ في الباطِنِ فيَسري في صاحِبِه، ولِلمَفهومِ مَدخَلٌ في المُعجَمِ يُرجَعُ إلَيه.

والذي تَزيدُه هذه الآيةُ مُتَعَلَّقُ الخَشية، فقد عُلِّقَت بِقَولٍ: «خَشيتُ أن تَقولَ»، ولم تُعَلَّقْ بِحادِثةٍ على نَحوِ «خَشيتُ أن يَقَعَ كذا»، فالمَخوفُ جُملةٌ تُنطَق.

وهذا وَحدَه يَجعَلُ العُذرَ كُلَّه في بابِ الكَلام: خافَ قَولاً، فتَرَكَ فِعلاً، فسُئِلَ عن أمرٍ ولم يَرقُبْ قَولاً، فالبابُ واحِدٌ من أوَّلِ الجَوابِ إلى آخِرِه.

«فَرَّقْتَ» و«لَمْ تَرْقُبْ»: وَزنٌ يُبَدِّدُ وفِعلٌ يَرصُد

و«فَرَّقَ» مُضَعَّفُ العَين، ولم يَأتِ على «فَرَقَ» المُخَفَّفة، والتَّضعيفُ في هذا البابِ لِلتَّكثيرِ والتَّبديد، فالمُتَّهَمُ بِه تَشتيتُ الأجزاء، لا وَضعُ حَدٍّ في الشَّيء.

والفَرقُ من ف-ر-ق، وهو شَقٌّ يَمتَدُّ ويَنتَهي إلى حَدٍّ فاصِل، وقد عُدِّيَ الفِعلُ هُنا بِـ«بَينَ»، فالتَّشتيتُ في المَسافةِ التي تَجمَعُهُم، لا في أفرادِهِم.

ثُمَّ جاءَ «ولَم تَرقُبْ قَولي»، والرَّقبةُ من ر-ق-ب، وهي تَرَصُّدٌ مُتَّصِلٌ يُمسِكُ ويَلزَم، ومِنه «الرَّقيبُ» لِمَن يَرصُدُ فلا يَغفُل.

وأوثِرَ «ولَم تَرقُبْ» على «ولَم تُطِعْ قَولي»، فالمَطلوبُ حِراسةٌ لِلقَولِ لا امتِثالٌ لَه. وهذا اللَّفظُ ثالِثُ كَلِمةِ أمرٍ أو قَولٍ تُضافُ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ في هذا الحِوار: أمرٌ وُجِّهَ إلى القَوم، وأمرٌ وُجِّهَ إلى الأخ، وقَولٌ يُحكى عن فَمِ الآمِر.


حَصيلة

والحاصِلُ أنَّه نودِيَ بِاسمِه فأجابَ بِغَيرِ اسم، وتَرَكَ «يا أخي» وقد كانَتِ الكَلِمةُ حاضِرةً في هذه القِصّةِ لِهذَينِ الاثنَينِ مَرَّتَينِ من قَبل، فاللَّفظانِ مُتاحان، وهذا المَوضِعُ اختارَ الأُمّ. والأُمُّ من أ-م-م أصلٌ مَقصودٌ يَتَجَمَّعُ إلَيه ما خَرَجَ مِنه، وياءُ الإضافةِ مَحذوفةٌ من الرَّسم. ثُمَّ نَهيانِ لا نَهيٌ واحِد، إذ أُعيدَت «لا» في ثانيهِما، والأخذُ من أ-خ-ذ إطباقٌ يَنفُذُ فيَحوز، والباءُ لِلإلصاقِ تَجعَلُ الاسمَ مَقبِضاً يُمسَكُ بِه صاحِبُه. والاسمانِ يُقرَآنِ كَلِمَتَينِ في جُملة، ولم تُخبِرِ الآيةُ بِوُقوعِ الأخذِ ولا وَصَفَت هَيئةً. ثُمَّ خَشيةٌ مُتَعَلَّقُها قَولٌ يُنطَق، لا حادِثةٌ تَقَع: فقد خافَ قَولاً وتَرَكَ فِعلاً، وسُئِلَ عن أمرٍ ولم يَرقُبْ قَولاً، والبابُ واحِدٌ من أوَّلِ الجَوابِ إلى آخِرِه. والتُّهمةُ المَخوفةُ صيغَت بِـ«فَرَّقَ» مُضَعَّفةً لا مُخَفَّفة، والتَّضعيفُ لِلتَّبديد، وعُدِّيَت بِـ«بَينَ» فالتَّشتيتُ فيما يَجمَعُهُم. وخُتِمَ الكَلامُ بِـ«لَم تَرقُبْ» دونَ «لَم تُطِعْ»، والرَّقبةُ من ر-ق-ب تَرَصُّدٌ مُتَّصِلٌ يُمسِكُ ويَلزَم، فالمَطلوبُ حِراسةُ القَولِ لا الامتِثالُ لَه.