النبأ · الآية 9

﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا

«وَجَعَلْنَا»: وَضعٌ يَلزَم، لا وَصفٌ يُقال

الفِعلُ يَتَرَدَّدُ في هذا المَوضِعِ حتّى يَصيرَ سِلكاً تُنظَمُ عَلَيه الأشياء. وج-ع-ل ضَمُّ الشَّيءِ إلى حَيِّزِه وتَعليقُه فيه على هَيئةٍ يَلزَمُها. فما بَعدَ «جَعَلْنا» لَيسَ صِفةً تُذكَر، بَل وَظيفةٌ أُودِعَت في مَحَلٍّ يُمسِكُها.

والنَّومُ قائِمٌ فيمَن خوطِبَ قَبلَ أن يُقالَ عَنه شَيء. فلا تُنشِئُه الآيةُ، إنَّما تُسَمّي ما وُضِعَ فيه. الوَصفُ يُقالُ فيُرفَع، والوَضعُ يوضَعُ فيَبقى.

«نَوْمَكُمْ»: حَدَثٌ مُضافٌ إلى أصحابِه

لَم يَقُلْ «النَّوم» مُطلَقاً، بَل «نَومَكُم». والضَّميرُ هو ضَميرُ مَن قيلَ لَهُم قَبلَ آيةٍ واحِدة: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾. فالمُخاطَبُ واحِدٌ في المَوضِعَين، والصُّنعُ يَنزِلُ عَلَيه لا حَولَه.

والنَّومُ من ن-و-م: رَنينٌ باطِنٌ يَمتَدُّ مَوصولاً ثُمَّ يَنغَلِقُ في جَوفٍ يُمسِكُه. فالنّائِمُ لا يَنقَطِعُ عن نَفسِه، إنَّما يَنطَوي عَلَيها. يَغيبُ عن الخارِجِ وهو مَوصولٌ بِداخِلِه.

«سُبَاتًا»: قَطعُ الجارِي عِندَ حَدِّه

الكَلِمةُ تَقَعُ في آخِرِ الآيةِ فتُسمَعُ مَرَّتَين: مَعنىً ووَقعاً. وس-ب-ت جَريانٌ مُتَّصِلٌ يَبلُغُ تَمامَه فيُقطَعُ ويُفلَت. ومنه «سَبَتَ الشَّعرَ» إذا حَلَقَه بَعدَ أن طال.

فالمَوضوعُ في النَّومِ قَطعٌ لا سُكون. والمَقطوعُ هو الجارِي: الحَرَكةُ والسَّعيُ والنَّظَر. وقَطعٌ يُفلِتُ ما قَطَعَه لَيسَ نِهايةً، بَل حَدٌّ يُبلَغُ ثُمَّ يُترَك. والنّائِمُ لا يُوقِفُ نَفسَه، بَل يُوقَفُ ثُمَّ يُطلَق.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تَبني حَدَثاً تامّاً. «جَعَلْنا» تَضَعُ الوَظيفةَ في مَحَلِّها وَضعاً يَلزَم، فما في النَّومِ لَيسَ عارِضاً فيه. و«نَومَكُم» تُضيفُ الحَدَثَ إلى أصحابِه، وهُمُ المُخاطَبونَ أنفُسُهُم في وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾. و«سُباتاً» تُسَمّي المَوضوعَ فيه: قَطعُ الجارِي عِندَ تَمامِه، ثُمَّ إفلاتُه. فأنتَ في نَومِكَ مَقطوعٌ عن سَعيِكَ لا عن نَفسِك، والقاطِعُ هو الذي قال «جَعَلْنا». حَدٌّ يُوضَعُ على الجَريانِ كُلَّ يَومٍ لِيَستَطيعَ الجَريانُ أن يَعود.