النبأ · الآية 10

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا

«اللَّيْلَ»: مَعرِفةٌ يوضَعُ فيها، لا شَيءٌ يُنشَأ

جاءَ المَفعولُ الأوَّلُ مُعَرَّفاً بِالألِفِ واللّام، واللَّيلُ مَعروفٌ لِمَن خوطِبَ قَبلَ أن يُقالَ فيه شَيء، يَراه كُلَّ يَومٍ ويَعرِفُ مَجيئَه، فالآيةُ تُخبِرُه بِما وُضِعَ فيه، ولا تُخبِرُه بِوُجودِه.

واللَّيلُ من ل-ي-ل، وهو امتِدادٌ يَنسابُ مُنتَشِراً حتّى يَلتَصِقَ بِما تَحتَه ويَحوزَه، فهو في جِذرِه غِطاءٌ قَبلَ أن يَكونَ وَقتاً. والتَّعريفُ في مَعنى: هذا الذي تَعرِفونَ، فاسمَعوا الآنَ ما أُودِعَ فيه.

«لِبَاسًا»: ثَوبٌ يَأخُذُ هَيئةَ لابِسِه

وأوثِرَ «لِباساً» على السِّترِ والغِطاءِ والسَّقف، وهو أقرَبُ ما يُغَطّي إلى المُغَطّى، ول-ب-س غِشاءٌ يَتَعَلَّقُ بِالسَّطحِ ويَسري عَلَيه فيَستُرُه ولا يَعزِلُه.

والثَّوبُ يُفارِقُ السَّقفَ في ثَلاث: يَلتَصِقُ بِصاحِبِه، ويَأخُذُ شَكلَه، ويُخلَعُ حينَ يَنقَضي وَقتُه. فاللَّيلُ على هذا يُلابِسُ النّاسَ ولا يُبعِدُهُم عن شَيء، فيَمشي مَعَ الماشي ويَنامُ مَعَ النّائِم، ثُمَّ يُنزَعُ عَنهُم في مَوعِدِه.

«لِبَاسًا» في الفاصِلة: السِّترُ يَتلو القَطع

وتَقَعُ الكَلِمةُ في آخِرِ الآيةِ فتُسمَعُ مَعنىً ووَقعاً، كما وَقَعَت فاصِلةُ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ قَبلَها، وبَينَ الفاصِلَتَينِ تَرتيبٌ يُقرَأ، إذ قُطِعَ الجارِي أوَّلاً، ثُمَّ أُلبِس.

ولَو جاءَ الغِطاءُ قَبلَ القَطعِ لَكانَ حَجباً عن عَمَلٍ قائِم، فلَمّا جاءَ بَعدَه صارَ سِتراً على واقِفٍ لا مَنعاً لِسائِر، والمَوقوفُ لا يُترَكُ مَكشوفاً.


حَصيلة

فالوَضعُ يَنتَقِلُ من الإنسانِ إلى ما حَولَه، ويَبقى الفِعلُ واحِداً: «جَعَلْنا». والمَفعولُ هنا مُعَرَّف، فاللَّيلُ قائِمٌ يُعرَف، والمَقولُ فيه هو الوَظيفةُ دونَ الوُجود. وسُمِّيَت تِلكَ الوَظيفةُ «لِباساً»، وهو أقرَبُ أسماءِ الغِطاءِ إلى الجَسَد، إذ هو تَعَلُّقٌ يَسري على السَّطحِ فيَستُرُه ويَتبَعُ شَكلَه ويُخلَعُ في مَوعِدِه. وجاءَت بَعدَ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، فالقَطعُ أوَّلاً والسِّترُ ثانِياً، واللَّيلُ في هذه الآيةِ ثَوبٌ على الإنسان، لا سَقفٌ فَوقَه.