النبأ · الآية 8

﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا

«وَخَلَقْنَاكُمْ»: يَتَبَدَّلُ الفِعلُ ويَتَبَدَّلُ المَفعولُ في كَلِمةٍ واحِدة

كانَ الفِعلُ في الآيَتَينِ قَبلَها من ج-ع-ل، فصارَ هنا «خَلَقْنَا». وكانَ المَفعولُ ما حَولَهُم فصارَ هُم. تَبَدُّلانِ في لَفظٍ واحِد، وكِلاهُما يَقرُبُ بِالخِطابِ خُطوة.

والجَعلُ يَقَعُ عَلى قائِمٍ فيُنزِلُه مَنزِلة، والخَلقُ يُنشِئُ الصّورةَ نَفسَها. والجِذرُ خ-ل-ق نُفوذٌ يَمتَدُّ إلى صورةٍ ثُمَّ يُقطَعُ عِندَ حَدٍّ مَحسوم، ومنه «خَلَقَ الأديمَ» إذا قَدَّرَه قَبلَ أن يَقطَعَه. فالخَلقُ تَقديرٌ سابِقٌ ثُمَّ قَطعٌ عَلى قَدرِه.

ولاحِظْ أينَ نَزَلَ الفِعلُ الأقوى. لم يُنسَبِ الخَلقُ إلى الأرضِ ولا إلى الجِبال، وإنَّما نَزَلَ عَلى المُخاطَبينَ أنفُسِهِم: «خَلَقْنَاكُمْ». كُلَّما قَرُبَ المَسؤولُ عَنه من المَسؤولِ اشتَدَّ الفِعلُ المَنسوبُ إلى الصّانِع.

ثُمَّ إنَّ كافَ الخِطابِ تَدخُلُ هنا ولا تَخرُج. تَتلوها وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، ثُمَّ تَظَلُّ في القائِمةِ بَعدَها. قائِمةٌ ابتَدَأَت من تَحتِ القَدَمِ حتّى بَلَغَت صاحِبَ القَدَم، ولمّا بَلَغَته لم تُفارِقْه.

«أَزْوَاجًا»: اسمٌ يُسَمّي النَّقصَ لا العَدَد

الجِذرُ ز-و-ج نَفاذٌ حادٌّ يَنعَقِدُ عَلى ما يَرتَبِطُ بِه ثُمَّ يَجتَمِعانِ في حَيِّزٍ واحِد. فالزَّوجُ لَيسَ اثنَين. الزَّوجُ واحِدٌ يُعرَفُ بِصاحِبِه، ولا يُسَمّى بِهذا الاسمِ إلّا لِأنَّ لَه نَظيراً يَتِمُّ بِه.

وفَردةُ النَّعلِ وَحدَها لا يُنتَفَعُ بِها، وهي مَعَ ذلك نَعل. فما نَقَصَها في نَفسِها شَيء، وإنَّما نَقَصَها ما لَيسَ فيها. كَذلك الاسمُ المَوضوعُ هنا: يُسَمّي الحاجةَ لا الكَمِّيّة.

و«أَزْوَاجًا» حالٌ خُلِقوا عَلَيها، لا شَيءٌ أُعطوهُ بَعدَ أن خُلِقوا. لم يُقَلْ إنَّ لَهُم أزواجاً، بَل إنَّهُم خُلِقوا أزواجاً. فالاقتِرانُ لَيسَ زِيادةً عَلى الإنسان، هو الحَدُّ الذي قُطِعَ عَلَيه.

ومَن قُدِّرَ ناقِصاً عَلى قَصدٍ فقَد قيلَ لَه شَيئانِ مَعاً: إنَّ نَقصَه لَيسَ خَطَأً في صَنعَتِه، وإنَّه لا يُتِمُّ نَفسَه بِنَفسِه. الزَّوجُ لا يُقالُ لِواحِدٍ عَلى حِدَة، يُقالُ لِمَن يُعرَفُ نَقصُه من اسمِه.

القائِمةُ مَبنِيّةٌ عَلى أزواج، ثُمَّ يُقالُ لِلسّامِعِ إنَّه زَوج

ما مَضى زَوجٌ في نَفسِه: وِطاءٌ لَيِّنٌ ومَغروزٌ يَمنَعُ الانزِياح، لا يَقومُ أحَدُهُما بِغَيرِ صاحِبِه. سَمِعَ المُخاطَبُ بِنيَةً مُؤَلَّفةً من أَشفاعٍ قَبلَ أن يُقالَ لَه شَيءٌ عن نَفسِه.

ثُمَّ جاءَ دَورُه فوُضِعَ عَلَيه اللَّفظُ نَفسُه. لم يُقَلْ إنَّه في عالَمٍ مُزدَوِج، قيلَ إنَّه هو من أزواجِه. انتَقَلَتِ الحُجّةُ من تَحتِ قَدَمِه إلى هَيئَتِه.

ومَن أقَرَّ بِأنَّ تَحتَه وِطاءً فقَد أقَرَّ بِقَليل. ومَن أقَرَّ بِأنَّ صورَتَه مَقطوعةٌ عَلى قَدرٍ لا يَملِكُه فقَد أعطى القائِمةَ ما تَطلُبُه كُلَّها.


حَصيلة

في كَلِمةٍ واحِدةٍ يَتَبَدَّلُ الفِعلُ ويَتَبَدَّلُ المَفعول: يُترَكُ الجَعلُ إلى «خَلَقْنَا»، وما حَولَهُم إلى كافِ الخِطاب. والجَعلُ يُنزِلُ القائِمَ مَنزِلةً، والخَلقُ من خ-ل-ق نُفوذٌ يَمتَدُّ إلى صورةٍ ثُمَّ يُقطَعُ عِندَ حَدٍّ مَحسوم، فكُلَّما قَرُبَ المَسؤولُ عَنه اشتَدَّ الفِعلُ المَنسوبُ إلى الصّانِع. وكافُ الخِطابِ تَدخُلُ هنا فلا تُفارِقُ القائِمةَ بَعدَها. ثُمَّ «أَزْوَاجًا» من ز-و-ج: نَفاذٌ يَنعَقِدُ فيَجتَمِعُ اثنانِ في وِحدة، فالزَّوجُ واحِدٌ يُعرَفُ بِصاحِبِه، والاسمُ يُسَمّي الحاجةَ لا العَدَد. وهي حالٌ خُلِقوا عَلَيها لا عَطِيّةٌ لَحِقَتهُم، فالاقتِرانُ حَدُّ الصّورةِ لا زِيادةٌ عَلَيها. وما مَضى في القائِمةِ كانَ زَوجاً في نَفسِه، وِطاءً ومَغروزاً، فلَمّا جاءَ دَورُ السّامِعِ وُضِعَ عَلَيه اللَّفظُ نَفسُه. أقَرَّ أوَّلاً بِما تَحتَ قَدَمِه، ثُمَّ سُئِلَ أن يُقِرَّ بِما قُطِعَت عَلَيه هَيئَتُه.