النازعات · الآية 13

﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ

«فَإِنَّمَا هِيَ»: فاءٌ لا تَترُكُ فُرجةً، وقَصرٌ يَرُدُّ بِالقِلّة

تَجيءُ الفاءُ مُلاصِقةً لِقَولِهِم، فلا تَفصِلُ بَينَ الحُكمِ الذي أصدَروه وبَينَ ما يَنقُضُه وَقفةٌ ولا مُقَدِّمة، إذ أطالوا ثُمَّ أغلَقوا، فجاءَ الجَوابُ في أوَّلِ حَرفٍ بَعدَ إغلاقِهِم.

وقَد بَنَوا كَلامَهُم على «إنَّ» واللّامِ، وهُما أداتانِ تُثَقِّلانِ وتُضَخِّمان، وجاءَ الجَوابُ بِـ«إنَّما»، وهي أداةٌ تَحصُرُ وتُقَلِّل، من الأُسرةِ نَفسِها ومن الجِهةِ المُقابِلة، فلَمّا رَدُّوا بِالتَّهويلِ رُدَّ عَلَيهِم بِالتَّقليل.

و«هِيَ» ضَميرٌ مُؤَنَّث، وأكثَرُ ما سُمِّيَ في هذه السّورةِ قَبلَه مُؤَنَّث: راجِفة، رادِفة، حافِرة، كَرَّة. ولَم تُفرِدِ الآيةُ واحِدةً مِنها بِالتَّعيين، فتَبقى الإشارةُ حَيثُ وَضَعَتها، أي إلى أمرٍ مَعروفٍ في الكَلامِ لا يَحتاجُ أن يُسَمّى لِيُقَدَّر.

«زَجْرَةٌ»: صَوتٌ عَمَلُه الرَّدّ

والزَّجرةُ من ز-ج-ر: اكتِنازٌ مُتَضاغِطٌ في مَضيقٍ يَتَكَتَّلُ ثُمَّ يَنطَلِقُ دَفعةً فيَرُدُّ ما وَقَعَ عَلَيه عن وِجهَتِه، ومِنه زَجرُ الدّابّةِ، وهو صَيحةٌ تَصرِفُها بِلا يَدٍ تَمَسُّها. فالزَّجرُ كَفٌّ بِالصَّوت، وأثَرُه حَرَكةٌ في غَيرِ الصّائِح.

وقَد أنكَروا أن يَكونوا «مَرْدُودُونَ»، فجاءَ الجَوابُ بِكَلِمةٍ عَمَلُها الرَّدُّ بِعَينِه، وعُدِلَ عن مُناقَشَتِهِم في الحُجّةِ إلى وَضعِ فِعلٍ واحِدٍ أمامَهُم يَفعَلُ ما قالوا إنَّه لا يَكون، وبِذلك يُنجِزُ أصغَرُ ما يُتَصَوَّرُ من الأسبابِ أكبَرَ ما استَبعَدوه.

«وَاحِدَةٌ»: عَدَدٌ يَقطَعُ التَّكرار

ومادّةُ و-ح-د إحاطةٌ تَنعَقِدُ ثُمَّ تَضيقُ فلا تَسَعُ إلّا ما أحاطَت بِه، وتَثبُتُ فلا تَتَّسِعُ لِثانٍ، فالنَّعتُ هُنا يَقطَعُ الطَّريقَ على كُلِّ إعادة، فلَيسَت زَجرةً تُتبَعُ بِزَجرة، ولا نِداءً يُكَرَّرُ حتّى يُسمَع.

وهُم أهلُ التَّكرار، فـ«يَقُولُونَ» فِعلٌ يُجَدَّد، وسُؤالٌ يُعادُ في آيَتَين، فجاءَ الجَوابُ بِما لا يُثَنّى، إذ يُجابُ مَن أطالَ بِمَرّةٍ واحِدة، ولَيسَ في المَرّةِ الواحِدةِ مَوضِعٌ لِمُراجَعة.


حَصيلة

تَلتَصِقُ الفاءُ بِحُكمِهِم فلا تَدَعُ بَينَه وبَينَ نَقضِه فُرجة، ثُمَّ تُقابِلُ «إنَّما» الحاصِرةُ ما بَنَوه على «إنَّ» واللّامِ من تَثقيل، فيُرَدُّ التَّهويلُ بِالتَّقليل. و«هِيَ» ضَميرٌ مُؤَنَّثٌ يَبقى حَيثُ تَرَكَته الآية. ثُمَّ «زَجْرَةٌ»، وز-ج-ر مُكتَنِزٌ في مَضيقٍ يَنطَلِقُ دَفعةً فيَرُدُّ ما وَقَعَ عَلَيه، فالجَوابُ عن إنكارِ «لَمَرْدُودُونَ» فِعلٌ عَمَلُه الرَّدُّ نَفسُه، وهي على وَزنِ فَعلةٍ لِلمَرّة. ثُمَّ «وَاحِدَةٌ»، وو-ح-د انفِرادٌ مُحكَمٌ لا يَقبَلُ ضَميمة، فلا ثانِيةَ تُنتَظَر، وقد حَسَبوا العَودةَ صَفقةً خاسِرة، فأتَتْ في الميزانِ بِصَوتٍ واحِد.