النازعات · الآية 12

﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ

«قَالُوا»: ماضٍ يُغلِقُ ما فَتَحَه المُضارِع

كانَ الفِعلُ قَبلَ آيَتَينِ مُضارِعاً: يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾، وهو حَدَثٌ يُجَدَّدُ ويُعاد، ثُمَّ جاءَ هُنا ماضِياً: «قَالُوا»، والمُضارِعُ يَفتَحُ ويُكَرِّر، والماضي يَقَعُ مَرّةً فيَنتَهي.

فالسُّؤالُ المُعادُ يَنتَهي إلى حُكمٍ يُقالُ مَرّةً واحِدة، إذ أطالوا الاعتِراضَ ثُمَّ أصدَروا القَرار، وتِلكَ سُنّةُ مَن أكثَرَ الكَلامَ في أمرٍ لا يُريدُه، فهو يُكَرِّرُ لِيَبلُغَ الجُملةَ التي تُنهي الكَلام.

«تِلْكَ إِذًا»: إشارةٌ تُبعِدُ، وحَرفٌ يُرَتِّبُ الجَزاء

و«تِلْكَ» إشارةٌ إلى البَعيد، ولَو أرادوا تَقريبَ الأمرِ لَقالوا «هذه»، فقد دَفَعوه عن أنفُسِهِم بِأداةِ الإشارةِ قَبلَ أن يَدفَعوه بِالوَصف، فكانَ أوَّلُ الرَّدِّ في كَلامِهِم مَسافةً يَضَعونَها بَينَهُم وبَينَ ما يَتَكَلَّمونَ عنه.

ثُمَّ جاءَت «إِذًا» جَواباً وجَزاءً لِما فَرَضوه في قَولِهِم قَبلَها، والمَعنى: إن كانَ ما تَقولون فهذه نَتيجَتُه. فبَنَوا حُكماً على فَرضٍ لا يُصَدِّقونَه هُم أنفُسُهُم، وحاسَبوا على بِضاعةٍ يُنكِرونَ وُجودَها.

«كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ»: عَودةٌ تُوزَنُ بِميزانِ تاجِر

وأصلُ ك-ر-ر انفِلاتٌ يَجري مُستَرسِلاً ثُمَّ يَنعَطِفُ راجِعاً على مَبدَئِه، ومِنه الكَرَّةُ، وهي العَطفةُ الواحِدةُ بَعدَ انصِراف. فسَمَّوا ما أُخبِروا بِه عَطفةً راجِعة، وهي بِعَينِها الحالُ التي وَصَفوها من قَبلُ بِـ«لَمَرْدُودُونَ»، فعادَ المَعنى بِلَفظٍ آخَرَ لِأنَّهُم لا يُفارِقونَه.

ثُمَّ نَعَتوها بِـ«خَاسِرَةٌ»، وخ-س-ر نُقصانٌ سائِلٌ يَجري في الأصلِ حتّى يُنقِصَه، ومِنه خُسرانُ التاجِرِ يَخرُجُ بِأقَلَّ مِمّا دَخَلَ بِه. فالكَلِمةُ من كَلامِ السّوقِ لا من كَلامِ الخَبَر، إذ جَعَلوا الأمرَ صَفقةً وحَكَموا عَلَيها بِالنُّقصانِ قَبلَ أن تَقَع.

و«خاسِرةٌ» على وَزنِ أخَواتٍ لَها تَقَدَّمَت في السّورة: راجِفة، رادِفة، واجِفة، خاشِعة، حافِرة، فقد أجابوا الفاصِلةَ بِفاصِلةٍ من صُنعِهِم، غَيرَ أنَّ الأخَواتِ قَبلَها أخبارٌ عَمّا يَقَعُ أو سُؤالٌ عَنه، وهذه حُكمٌ على ما لَم يَقَعْ بَعد.


حَصيلة

يَنتَقِلُ الفِعلُ من مُضارِعٍ يُكَرِّرُ إلى ماضٍ يُغلِق: «يَقُولُونَ» ثُمَّ «قَالُوا»، وق-و-ل صَوتٌ يُطلَقُ من الفَمِ ويَبقى مُتَعَلِّقاً بِصاحِبِه. ثُمَّ «تِلْكَ»، وهي إشارةٌ إلى البَعيدِ يَدفَعونَ بِها قَبلَ أن يَدفَعوا بِالوَصف، و«إِذًا» جَوابٌ وجَزاءٌ يَبني الحُكمَ على فَرضٍ لا يُصَدِّقونَه. ثُمَّ «كَرَّةٌ»، وك-ر-ر حَرَكةٌ تَذهَبُ ثُمَّ تَلتَوي عائِدة، فهي «لَمَرْدُودُونَ» بِلَفظٍ ثانٍ. ثُمَّ «خَاسِرَةٌ»، وخ-س-ر نُقصانٌ يَجري في رَأسِ المالِ حتّى يُنهِيَه، فقَد أدخَلوا الميزانَ حَيثُ لا سِلعة، وحَكَموا على العَودةِ بِالنُّقصانِ قَبلَ أن تُوزَن، ثُمَّ أتَتِ الآيةُ بَعدَها تُقَدِّرُها بِأقَلَّ ما تُقَدَّرُ بِه حَرَكة.