النازعات · الآية 41

﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ

«فَإِنَّ … هِيَ الْمَأْوَىٰ»: جَوابٌ يُعادُ بِحُروفِه إلّا كَلِمة

هذا الجَوابُ هو جَوابُ القِسمِ الأوَّلِ حَرفاً بِحَرف: فاءٌ، فـ«إنَّ»، فاسمُها مَعرِفةٌ مَنصوب، فضَميرُ فَصل، فخَبَرٌ مُعَرَّفٌ بِاللّام، ولا يَختَلِفُ المَوضِعانِ إلّا في اسمٍ واحِد.

فالمَآلُ في الجِهَتَينِ مَصوغٌ صِياغةً واحِدة، والفارِقُ فيما يوضَعُ في القالِب، لا في القالِبِ نَفسِه. وضَميرُ الفَصلِ يَقصُرُ هُنا كما قَصَرَ هُناك، فالمَعنى أن لا مَأوى سِواه.

وهذا التَّطابُقُ في اللَّفظِ يَجعَلُ الفَرقَ كُلَّه في الكَلِمةِ المُبَدَّلة، إذ الآيَتانِ إذا تَشابَهَتا إلى هذا الحَدِّ لم يَسمَعِ المُصغي مِنهُما إلّا مَوضِعَ الاختِلاف.

«الْجَنَّةَ»: سِترٌ مُضاعَفٌ إزاءَ ما بُرِّز

وأصلُ ج-ن-ن تَجَمُّعٌ في حَيِّزٍ يَنبَعِثُ من داخِلِه رَنين، وتَضعيفُ النُّونِ يُكَثِّفُ الحَجبَ والاحتِواء، فالجَنَّةُ حَيِّزٌ يَستُرُ مَن دَخَلَه بِكَثافةِ ما فيه. ومن الجِذرِ نَفسِه الجَنينُ المَستورُ في مَوضِعِه، والجُنَّةُ التي يُتَّقى بِها.

والتَّقابُلُ مَسموعٌ في السّورةِ نَفسِها، فقد جاءَ في الأُولى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾، وهذه مَبنِيّةٌ في جِذرِها على السِّتر، فواحِدةٌ أُخرِجَت إلى العَراءِ حتّى تُرى، وواحِدةٌ شَأنُها أن تَستُرَ مَن حَلَّ فيها.

ولَم تُبرَزْ هذه، ولم يُذكَرْ أنَّها رُئِيَت، فقد ذُكِرَت مَرَّةً واحِدةً في جَوابٍ ولم يُوصَفْ ما فيها، إذ الحَيِّزُ الذي شَأنُه السِّترُ لا يوصَفُ داخِلُه من خارِجِه.

«الْمَأْوَىٰ»: الكَلِمةُ واحِدةٌ والمُفارَقةُ واحِدة

ومادّةُ أ-و-ي انقِطاعٌ عمّا كان، فحَلقةٌ تَحوي ولا تَسُدّ، فسُكونٌ يَمتَدُّ فيها. وقَد وُصِفَ صاحِبُ هذا القِسمِ بِفِعلَينِ كِلاهُما مُفارَقة: خافَ مَوضِعاً فتَحَوَّلَت وِجهَتُه إليه، وكَفَّ النَّفسَ عن جِهةٍ فتَرَكَها.

فاستَحَقَّ الاسمَ نَفسَه الذي استَحَقَّه الأوَّل، لِأنَّ الجِذرَ يَشتَرِطُ المُفارَقةَ ولا يَشتَرِطُ جِهَتَها، فكِلاهُما فارَقَ، وكِلاهُما انضَمَّ، على اختِلافِ الحَلقَتَين.

ولَيسَ في حُروفِ أ-و-ي وَصفٌ بِخَيرٍ ولا بِشَرّ، فالذي فيها قَطعٌ واحتِواءٌ وامتِدادٌ لَيسَ في بِنيَتِه ما يُنهيه، ولِذلك صَلَحَتِ الكَلِمةُ لِلجِهَتَينِ مَعاً.


حَصيلة

يُعادُ الجَوابُ حَرفاً بِحَرف: فاءٌ، فـ«إنَّ»، فاسمُها مَعرِفةٌ، فضَميرُ فَصلٍ يَقصُر، فخَبَرٌ مُعَرَّفٌ بِاللّام، ولا يَختَلِفُ المَوضِعانِ إلّا في اسمٍ واحِد، فيَصيرُ الفَرقُ كُلُّه في الكَلِمةِ المُبَدَّلةِ لا في القالِب. والمُبَدَّلةُ «الجَنَّة» من ج-ن-ن، وهو تَجَمُّعٌ في حَيِّزٍ يَرِنُّ من داخِلِه، وتَضعيفُ النُّونِ يُكَثِّفُ حَجبَه، فهي حَيِّزٌ يَستُرُ مَن دَخَلَه. وقَد جاءَ في الأُولى من هذه السّورةِ أنَّها بُرِّزَت لِمَن يَرى، فوَقَعَ التَّقابُلُ بَينَ ما أُخرِجَ إلى العَراءِ حتّى يُرى وما شَأنُه أن يَستُر، ولَم يوصَفْ داخِلُ هذه لِأنَّ الحَيِّزَ السّاتِرَ لا يوصَفُ من خارِجِه. ثُمَّ «المَأوى» من أ-و-ي: قَطعٌ عمّا كان، فحَلقةٌ تَحوي، فامتِدادٌ لَيسَ في بِنيَتِه ما يُنهيه، ولَيسَ في حُروفِه وَصفٌ بِخَيرٍ ولا شَرّ. وقَد فارَقَ صاحِبُ هذا القِسمِ كما فارَقَ الأوَّل، هذا بِخَوفٍ حَوَّلَ وِجهَتَه وكَفٍّ تَرَكَ جِهةً، وذاكَ بِفَيضٍ جاوَزَ حَدَّه وتَقديمٍ خَلَّفَ ما وَراءَه، فالجِذرُ يَشتَرِطُ المُفارَقةَ ولا يَشتَرِطُ جِهَتَها، والكَلِمةُ واحِدةٌ في الآيَتَين. والمَأوى لا يُوصَفُ في حُروفِه إلّا بِأنَّه يَحوي ولا يَنتَهي، والذي يَختَلِفُ فيهِما ما يَحويه.