عبس · الآية 34

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ

«يَوْمَ يَفِرُّ»: وَقتٌ يُعَرَّفُ بِما يَجري فيه

لم يُعَرَّفِ اليَومُ بِعَدَدٍ ولا بِمَوقِعٍ في حِساب. أُضيفَ إلى جُملةٍ فِعلِيّةٍ فصارَ اسمُه ما يَقَعُ فيه. والفِعلُ مُضارِعٌ: «يَفِرُّ»، لا «فَرّ». حَدَثٌ يَتَجَدَّدُ ما دامَ اليَومُ قائِماً، لا لَحظةٌ تَمُرُّ وتَنقَضي.

وف-ر-ر شَقٌّ ضَيِّقٌ يَنفَلِتُ مِنه الخارِجُ فيَجري ولا يَعود. لا يُقالُ «فَرَّ» إلّا حَيثُ كانَ مُمسِكاً يُفلَتُ مِنه. فالكَلِمةُ نَفسُها تَشهَدُ بِما كانَ قائِماً قَبلَ أن يُنقَض.

وذَكَرَتِ الآيةُ المَفرورَ مِنه ولم تَذكُرِ المَفرورَ إليه. «مِن» تَضَعُ نُقطةَ الابتِداءِ وتَسكُتُ عن المُنتَهى. جِهةٌ واحِدةٌ في الحَرَكة: خُروجٌ بِلا مَقصِد.

«الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ»: واحِدٌ يَنفَصِلُ عَمَّن يُشارِكُه أصلَه

اختارَتِ الآيةُ لِلفارِّ لَفظاً يَعني الواحِدَ بِعَينِه. م-ر-أ تَلاحُمٌ يَنحَسِمُ على ذاتٍ قائِمةٍ بِنَفسِها، فالمَرءُ هو المُفرَدُ الذي انحَسَمَ على نَفسِه. والفارُّ في الآيةِ مُفرَدٌ يَزدادُ إفراداً.

وأ-خ-و شَرِكةٌ في أصلٍ واحِدٍ تَخرُجُ مِنه ثُمَّ تَتَّصِل. فالأخُ ليسَ جاراً يُصادَفُ ولا رَفيقاً يُختار: هو مَن خَرَجَ مِمّا خَرَجتَ مِنه. ثُمَّ جاءَتِ الهاءُ في «أخيهِ» فأضافَتهُ إلَيه: النِّسبةُ قائِمةٌ في اللَّفظِ حالَ الفِرارِ مِنها.

فالجُملةُ تَحمِلُ نَقيضَين في ثَلاثِ كَلِمات: صِلةٌ لا تُفَكُّ في «أخيه»، وانفِلاتٌ لا يَعودُ في «يَفِرّ». يَومٌ يَجري فيه الواحِدُ خارِجاً من أصلٍ لا يُخرَجُ مِنه.


حَصيلة

يَومٌ لا يُسَمّى بِعَدَدٍ بَل بِجُملةٍ فِعلِيّةٍ تُضافُ إلَيه، وفِعلُها مُضارِعٌ يَتَجَدَّد. و«يَفِرّ» من ف-ر-ر: انفِلاتٌ من شَقٍّ ضَيِّقٍ يَجري ولا يَرجِع، ولا يُقالُ إلّا حَيثُ كانَ إمساكٌ يُفلَتُ مِنه. و«مِن» تَذكُرُ المَبدَأَ وتَسكُتُ عن المُنتَهى، فالحَرَكةُ خُروجٌ بِلا مَقصِدٍ مَذكور. والفارُّ «المَرء» من م-ر-أ: تَلاحُمٌ يَنحَسِمُ على ذاتٍ واحِدة، والمَفرورُ مِنه «أخوه» من أ-خ-و: شَرِكةٌ في أصلٍ تَخرُجُ وتَتَّصِل، والهاءُ تُبقي النِّسبةَ مَنطوقةً في لَحظةِ نَقضِها. ثَلاثُ كَلِماتٍ تَجمَعُ صِلةً لا تُفَكُّ وانفِلاتاً لا يَعود.