التكوير · الآية 12

﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ

«الْجَحِيمُ»: نارٌ تُعرَفُ بِاجتِماعِها لا بِسَعَتِها

الجِذرُ ج-ح-م اتِّقادٌ يَجتَمِعُ في بُؤرةٍ ويُمسَكُ فيها. فالجَحيمُ لَيسَ اسماً لِكُلِّ نار، بل لِلنّارِ التي احتَشَدَت في حَيِّزٍ فاشتَدَّت بِاحتِشادِها. ومنه قَولُهُم جَحَمَتِ النّارُ: اتَّقَدَت واجتَمَعَت.

والصّورةُ حِسِّيّة. الجَمرُ المُتَفَرِّقُ يَخبو، والجَمرُ المَكنوزُ يَحمى. فالحَرارةُ في هذا الجِذرِ ثَمَرةُ الضَّمِّ لا ثَمَرةُ السَّعة.

وجاءَت مَعرِفةً بِلامِ العَهد: نارٌ يُحالُ عَلَيها، لا تُنشَأُ في هذا المَوضِع. وهذا صَنيعُ الشُّروطِ كُلِّها: شَمسٌ مَعروفةٌ ونُجومٌ مَعروفةٌ وجِبالٌ مَعروفة، ثُمَّ يَقَعُ بِها الفِعل.

«سُعِّرَتْ»: ما جُمِعَ إلى الدّاخِلِ يُخرَجُ إلى الأعلى

الجِذرُ س-ع-ر ارتِفاعٌ يَخرُجُ من الباطِنِ ثُمَّ يَمتَدُّ مُستَرسِلاً. فالتَّسعيرُ لَيسَ إيجادَ نار، بل إخراجُ ما كانَ في جَوفِها إلى العُلُوِّ والامتِداد. ومنه سَعَرَ النّارَ إذا هَيَّجَها فارتَفَعَ لَهَبُها، واستَعَرَ الحَريقُ إذا عَلا وانتَشَر.

وبَينَ الكَلِمَتَينِ حَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان. الجَحيمُ ضَمٌّ إلى الدّاخِل، والتَّسعيرُ خُروجٌ إلى الأعلى. فالجُملةُ كُلُّها فَتحُ ما كانَ مُطبَقاً على نَفسِه.

و«سُعِّرَتْ» بِتَضعيفِ عَينِها: فِعلٌ يُكَرَّرُ ويُكَثَّف، لا مَرّةً تَقَعُ ثُمَّ تَنقَضي. والفاعِلُ مَحذوفٌ كما في أخَواتِها، فالنّارُ في هذا اللَّفظِ مَفعولٌ بِها لا فاعِلة. حتّى النّارُ لا تَملِكُ في هذا اليَومِ لَهَبَها.

مَوقِعُها: أوَّلُ ما ذُكِرَ وَراءَ الساتِرِ المَنزوع

جاءَت بَعدَ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾. نُزِعَ الساتِرُ، ثُمَّ ذُكِرَ أوَّلُ ما وَراءَه.

ولَيسَ في اللَّفظِ أنَّ الجَحيمَ أُنشِئَ الآن. اللّامُ فيه لِلعَهدِ، والفِعلُ رَفعٌ لِما كانَ مُحتَبِساً. فالذي تَغَيَّرَ لَيسَ وُجودَه بل ظُهورَه وامتِدادُه.

ثُمَّ تَجيءُ بَعدَها وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾، فيَقَعُ الاثنانِ في نَسَقٍ واحِد: مَستوران يُذكَرانِ بَعدَ رَفعِ الساتِر، هذا يُرفَعُ لَهَبُه وتِلكَ تُدنى. وكِلاهُما كانَ قائِماً قَبلَ أن يُذكَر.


حَصيلة

«الْجَحِيمُ» (ج-ح-م) اتِّقادٌ يَجتَمِعُ في بُؤرةٍ ويُمسَكُ فيها، فالحَرارةُ فيه ثَمَرةُ الضَّمِّ لا السَّعة، وجاءَ مَعرِفةً بِلامِ العَهدِ لا مُنشَأً في مَوضِعِه. و«سُعِّرَتْ» (س-ع-ر) ارتِفاعٌ يَخرُجُ من الباطِنِ ثُمَّ يَمتَدُّ مُستَرسِلاً، وتَضعيفُ العَينِ يُكَرِّرُ الفِعلَ ويُكَثِّفُه، والفاعِلُ مَحذوفٌ كما في أخَواتِها. فالكَلِمَتانِ حَرَكَتانِ مُتَقابِلَتان: ضَمٌّ إلى الدّاخِل، ثُمَّ خُروجٌ إلى الأعلى. ومَوقِعُها بَعدَ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ يَجعَلُها أوَّلَ ما ذُكِرَ وَراءَ الساتِرِ المَنزوع، وتَتلوها وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ في النَّسَقِ نَفسِه. لا إنشاءَ في الآيةِ ولا اختِراع: نارٌ كانَت مُطبَقةً على نَفسِها رُفِعَ لَهَبُها فامتَدّ.