التكوير · الآية 11

﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ

«السَّمَاءُ»: ما عَلا فأظَلَّ، بِلا هَيئةٍ تُوصَف

وأصلُ س-م-و جَريانٌ يَتَجَمَّعُ ثُمَّ يَتَّصِلُ صاعِداً، فالسَّماءُ في الكَلِمةِ جِهةُ العُلُوِّ وسَقفُها، أي كُلُّ ما عَلا فأظَلَّ ما تَحتَه.

ولم تُوصَفْ هُنا بِهَيئةٍ ولا بِمادّة، وقد جاءَت مَعرِفةً مُفرَدةً، ثُمَّ جاءَ الفِعلُ فوَقَعَ بِها، فالذي تُعطيه الآيةُ عنها شَيءٌ واحِد: أنَّها كانَت فَوقَنا، وأنَّ ما فُعِلَ بِها فِعلُ مَن يَنزِعُ غِطاءً.

«كُشِطَتْ»: جِلدٌ يُنزَعُ عن لَحم

والكَشطُ من ك-ش-ط، وهو نَزعُ غِطاءٍ لاصِقٍ عَمّا تَحتَه بِإجراءِ حَدٍّ بَينَهُما، وأشهَرُ ما يُقالُ فيه: كَشَطَ الجِلدَ عن اللَّحم. والفِعلُ خالٍ من الكَسرِ والطَّيّ، والذي فيه إدخالُ حَدٍّ بَينَ طَبَقَتَينِ التَحَمَتا، ثُمَّ نَزعُ العُليا.

وهذا يَضَعُ السَّماءَ مَوضِعَ الغِشاءِ دونَ مَوضِعِ البِناء، والغِشاءُ يُنزَعُ لِيَظهَرَ ما تَحتَه، فهو نَفسُه لَيسَ المَقصود، والفِعلُ يُخبِرُ عن السَّماء، ويُخبِرُ بِأكبَرَ من ذلك عَمّا كانَت تَستُر.

والفَرقُ بَينَ الهَدمِ والكَشطِ ظاهِرٌ لِمَن رَأى شاةً تُسلَخ: فالهَدمُ يُبقي رُكاماً في مَوضِعِ البِناء، والكَشطُ لا يُبقي في مَوضِعِ الجِلدِ شَيئاً، يَكشِفُ ما تَحتَه ثُمَّ يَنصَرِف.

ما وَراءَ الغِطاءِ: تَقولُه الآيَتانِ بَعدَها

ولم تُسَمِّ الآيةُ ما ظَهَر، غَيرَ أنَّها مَوصولةٌ بِما بَعدَها، وتَجيءُ بَعدَها وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ثُمَّ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾، وهُما مَستورانِ يَصيرانِ مَشهودَين.

فالتَّرتيبُ نَفسُه يُفَسِّرُ الفِعل: يُنزَعُ السّاتِرُ أوَّلاً، ثُمَّ يُذكَرُ اثنانِ كانا وَراءَه. والذي في الآياتِ الثَّلاثِ رَفعُ ساتِر، ورَفعُ لَهَبِ ما اجتَمَع، وتَقريبُ ما كانَ بَعيداً، ولا إنشاءَ فيها لِشَيءٍ لم يَكُن.

والسَّقفُ الذي كانَ يَحجُبُ يُعامَلُ مُعامَلةَ الجِلد، وما فَوقَ الرَّأسِ غَيرُ آخِرِ ما هُناك.


حَصيلة

«السَّمَاءُ» (س-م-و) ما تَجَمَّعَ فاتَّصَلَ فعَلا، أي السَّقفُ الذي فَوقَ الرَّأس، جاءَت مَعرِفةً بِلا وَصفِ هَيئةٍ ولا مادّة. و«كُشِطَتْ» (ك-ش-ط) نَزعُ غِطاءٍ لاصِقٍ بِإجراءِ حَدٍّ بَينَه وبَينَ ما تَحتَه، كما يُنزَعُ الجِلدُ عن اللَّحم، بِلا كَسرٍ ولا طَيّ. والفِعلُ يَجعَلُ السَّماءَ غِشاءً دونَ البِناء، والغِشاءُ إنَّما يُنزَعُ لِيَظهَرَ ما وَراءَه، ولِذلك جاءَ بَعدَها مَستورانِ يَصيرانِ مَشهودَين: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ووَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾. فهو سَقفٌ يُنزَعُ فلا يَبقى في مَوضِعِه ما يُنظَرُ إلَيه، ويُنظَرُ من خِلالِه.